الثلاثاء 8 محرم 1424 هـ الموافق 11 مارس 2003 لماذا كان أباؤنا واجدادنا يتمتعون بالصحة والعافية رغم قساوة الحياة وعدم توفر المكننة التي يبدو انها قضت على الكثير من المشاعر الايجابية ومن العلاقات الاجتماعية في ايامنا هذه. ان من يقارن بين نمط حياة الاجداد قديما وبين حياتنا المعاصرة، لابد وان يكتشف بان المكننة قد اثرت بشكل سلبي على الحياة الاجتماعية وانها سلبت من حياتنا اجمل وانبل قيمها، وعلى سبيل المثال يمكن القول إن اباءنا واجدادنا عندما كانوا يتوجهون الى اعمالهم يتبادلون التحيات مع من يصادفونهم في طريقهم من المنازل الى اماكن العمل، وكانت الابتسامة تسبق القاء التحية اما اليوم وليراقب كل واحد منا نفسه والآخرين من حوله، يخرج من باب منزله الى مكان العمل دون ان يلقي التحية الا ما ندر وغالبا ما تكون التحية شكلية غير نابعة من الاعماق لان الذهن مشغول دوما ولان الوقت يسابقنا، ولان الهموم تحيط بكل واحد منا بسبب ضغوط الحياة المتزايدة واذا ما انتقلنا الى البيت نجد ان التلفزيون قد قضى على الحوار بين افراد الاسرة الذين يجلسون ساعات طويلة متسمرين امام هذا الضيف الثقيل الذي فرض نفسه على الجميع.وبالطبع لا يعني ما قد ذكرته بأنني اقف في وجه التقدم الصناعي والمكننة، ففي حقيقة الامر يتجلى موقفي في سوء استخدامنا لوسائل الرفاهية، كالسيارة والتلفزيون وغيرهما واذا ما عدنا بذاكرتنا الى الوراء نجد ان ما كان اجدادنا يتفوقون به علينا هو تنظيمهم للوقت واحترامهم للعمل بمقدار احترامهم لوقت الفراغ الذي كانوا يقضونه في توطيد دعائم الاسرة والعلاقات الاجتماعية فعلى سبيل المثال كان اذا تعرض اي شخص ضمن الحي الذي يضم عشرات المنازل لمرض ما، كانت معاودة المريض وزيارته واجبا لا يجوز التنصل منه نهائيا واما اليوم فقد يمرض جارنا الذي يسكن في المنزل المجاور لمنزلنا دون ان يطرق بابه احد، وقد يتغيب زميل لنا عن العمل دون ان نعرف ما اذا كان قد تعرض لاي مكروه لا سمح الله. واذا ما تساءلنا عن الاسباب التي تجعلنا ننسى انفسنا كما الآخرين لوجدنا الكثير من المبررات الواهية غير المقنعة. التوازن ضروري من المعروف أن التوازن بين العمل والراحة اساسي لصحة الجهاز العصبي، ومثل هذا التوازن اذا ما تحقق يسمح للشخص بان ينجو من الاستلاب في العمل. وللاسف نقول اننا اذا ما سألنا شخصا ما لماذا لا نراه او لا نسمع صوته على اقل تقدير يجيبنا قائلا: «انني مشغول كثيرا لدرجة لا يمكن ان يتصورها العقل». ولهذا الشخص ومن يماثله وهم كثر، نود ان نهمس في آذانهم بان الحياة تمر، وان العمل رغم اهميته لكنه لا يجوز ان يسلب الانسان من واقعه، ومن الوسط الذي ينتمي اليه، وان العمل لا ينتهي بينما حياة الانسان لها نهاية قد تطول او تقصر. وتجدر الاشارة هنا الى ان تنظيم الوقت واعطاء اهمية لوقت الفراغ لابد ان يصطدم ببعض العوائق وان الانسان الحكيم هو الذي يستطيع ان يزيل تلك العوائق ويحقق التوازن المطلوب بين العمل ووقت الفراغ ليس من اجل ضمان الصحة النفسية والجسدية للشخص فقط وانما من اجل تنشئة الاطفال التنشئة السليمة، فالاطفال بحاجة الى من يتواصل معهم ومن يلعب معهم، والالعاب مهما كثر عددها ومهما كان نوعها لايمكن ان ترسم الابتسامة على شفاه الاطفال كما تفعل مداعبات الام او الاب التي تجعل ضحكات الاطفال تدوي في اركان المنزل. ومثل هذه الضحكات تحول الصحراء القاحلة الى واحة غناء. وبالاضافة الى ذلك فان التوازن بين العمل ووقت الفراغ يتيح للمرء ممارسة هواياته المحببة من جهة والتواصل مع الاقرباء والاصدقاء الذين يضفون المزيد من السعادة على حياة الانسان. ونود ان نشير الى اننا في حديثنا هذا نركز على وقت الفراغ ولكننا في الوقت ذاته لا نهمل العمل الذي يعتبر مصدرا من مصادر الرضا عن الذات ومن عناصر السعادة ايضا. ومن اهم الارشادات التي تساعد على تحقيق التوازن المطلوب بين العمل ووقت الفراغ نذكر: ـ الاستيقاظ في الصباح الباكر قبل موعد الانطلاق الى العمل بوقت كاف بحيث يتمكن الشخص من اداء بعض التمارين الرياضية الخفيفة والاستحمام وارتداء ملابسه وتناول طعام الافطار بروية ومن ثم الانطلاق نحو العمل. ـ تنظيم العمل ووضع برنامج للمهام اليومية والمحافظة على نظافة المكتب والتخلص من كافة الاوراق غير الضرورية فالتنظيم يحافظ على الوقت وعلى اداء العمل بشكل جيد. ـ اداء كافة الاعمال المطلوبة في المكتب وعدم نقل (المكتب) ومشاغله وهمومه الى المنزل فالمنزل للراحة فقط. ـ ممارسة الهوايات المحببة كالتمارين الرياضية وغيرها. ـ زيارة الاصدقاء والاقرباء. ـ تنظيم اوقات مشاهدة التلفزيون، فبدلا من تشغيل التلفزيون لساعات طويلة يمكن تشغيله في الوقت المحدد لمشاهدة هذا البرنامج او ذاك. ـ اعطاء الوقت الكافي لافراد الاسرة. واخيرا نقول ان الانسان التعيس في عمله لايمكن ان يكون سعيدا في فراغه وان التوازن بين العمل ووقت الراحة من العناصر الضرورية للتمتع بالصحة والسعادة فهل نحرص جميعا على تحقيق هذا التوازن من اجل حياة اجمل؟! د. بسام علي درويش