الجمعة 4 محرم 1424 هـ الموافق 7 مارس 2003 ربما يكون تاريخ الحدث قد ضاع مع مرور الوقت، ولكن لا يوجد اليوم احتفال اميركي مفعم بالنشاط والحيوية، ويمكن اعتباره سلعة قابلة للتسويق مثل مهرجان «ماردي غراس». ففي كل عام وقبل 47 يوماً من حلول يوم الأحد الذي يسبق عيد الفصح، تضج مدينة نيواورليانز الأميركية الجنوبية بالألوان، مع نزول أكثر من نصف مليون من المحتفلين بأزيائهم الغريبة إلى الشوارع في حفلة سمر صاخبة قل دخول فترة الصوم الكبير. وفي يوم أربعاء الرماد (أول أيام الصوم الكبير)، لا يبقى أي أثر لإحدى أكبر الحفلات في العالم. ويعتبر مهرجان «ماردي غراس»، والمعروف أيضاً باسم الثلاثاء المترف، تتويجاً لأسابيع من المسيرات والرقصات والحفلات والتي تجعل المدينة في حالة شلل تام فيما يتعلق بالنشاطات الاعتيادية. يرتبط موعد الحفلة الأخيرة بالتقويم القمري الذي تستخدمه الكنيسة الكاثوليكية لتحديد موعد عيد الفصح، ولكن جذوره الحقيقية ربما تكمن في عادات وثنية تعود إلى مهرجان الخصب الذي كان يقيمه الرومان القدماء في منتصف فبراير من كل عام لضمان الخصب للناس والقطعان والحقول. وقد وصل المهرجان إلى العالم الجديد في القرن الثامن عشر من خلال المستوطنين الفرنسيين، وقد جعله سكان نيواورليانز الذين هم خليط من الكريبوليين وسكان أميركا الأصليين والأوروبيين والافارقة مهرجاناً خاصا بهم. ومع اقتراب نهاية ذلك القرن، فرضت قيود على المهرجان من قبل حكام المدينة الاسبان في محاولة للتخلص من النفوذ الفرنسي. ولكن بحلول عام 1857، عندما ابتدعت مظاهر جديدة فيه مثل رمي الخرز والحلي، عاد المهرجان ليبقى هذه المرة. غير ان ذلك لم يرض الجميع. وفي عام 1889، أفادت إحدى الصحف في نيواورليانز بأنه «كان هناك درجة من عدم الاحتشام التي بدرت عن النساء المشتركات في المسيرات التي جابت الشوارع». والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الاحتفالات الحالية، فقد اكتسب المهرجان الذي كان ينظر إليه السكان المحليون باعتباره مهرجاناً للعائلة، وجهاً سلبياً بسبب الافراط في الممارسات التي تخرج عن حدود والاحتشام. وقد أدى هذا الجانب، والذي صدر في الاساس عن الحي الفرنسي في المدينة الى قيام الشرطة بشن حملة على السلوكيات الخارجة عن حدود الأدب. وحتى الثلاثينيات من القرن الماضي، لم تكن تنظم اكثر من ست مسيرات خلال مهرجان ماردي غراس. أما اليوم، فهناك قرابة 52 مسيرة تنظم خلال أيام المهرجان. وتعتبر الصبغة التجارية الزاحفة على المهرجان مصدراً آخر للقلق. وتزين الاعلانات التجارية الخاصة بالشركات طرق المسيرة الرئيسية والتي يتكلف بعضها أكثر من 100 ألف دولار. وهناك الآن أكثر من 100 موقع على الانترنت تبيع الملصقات الخاصة بمهرجان «ماردي غراس» والكعك وقمصان الـ «تي شيرت والأعلام»، بينما تحولت «الخرزات» التقليدية، التي كانت تصنع فيما مضى على يد الحرفيين المحليين، إلى نشاط اعمال يدر ملايين الدولارات. ويجري الترويج لمدينة نيواورليانز بلا كلل كوجهة سياحية على خلفية المهرجانات، حيث ارتفع عدد الغرف الفندقية من 11 ألفاً في عام 1977 إلى 30 ألفاً في عام 2001. وبينما لا يستطيع أحد أن يشكك بنجاح مهرجان ماردي غراس ـ مليوني سائح جلبوا مليار دولار على شكل إيرادات اضافية في عام 2000 ـ إلا أن العديدين بدأوا يتساءلون عن الثمن الذي تدفعه المدينة مقابل هذا الدخل. ضرار عمير