الجمعة 4 محرم 1424 هـ الموافق 7 مارس 2003 عندما تأتي ذكرى الهجرة تعيد الى اذهاننا معاني وقيما سامية، وذلك بما احدثته هذه الرحلة المباركة من تغيير في خريطة العالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لم تكن الهجرة كما رسخ في عقول البعض فرارا من أذى المشركين للدعوة وصاحبها صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام بل كانت انطلاقة جديدة نحو غد مشرق وخير للعالم اجمع. فتعرض المسلمين المستضعفين لألوان الاذى المختلفة رسخ في نفوسهم معاني الصمود والوقوف في وجه الاستبداد الذي كان يسود العالم والتي تمثلت احدى صوره في مكة. لقد حاول الرسول صلى الله عليه وسلم ـ وتلك رسالته ـ تغيير هذه الصورة القاتمة بكل نواحيها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والثقافية.. لكن صناديد الكفر من اهل قريش وقفوا للدعوة وصاحبها ورجالها بالمرصاد، فحاربوهم بشتى انواع الحروب العسكرية والاقتصادية والاجتماعية محاولين اطفاء هذاالنور «يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون» الصف: 8. كانت قريش تريد من وراء هذه المقاومة القضاء على الوجود الاسلامي في مكة قبل ان يستفحل خطره ويمتد الى غيرها من الاقاليم، وعندها يخرج الامر من يدها وتضيع مكانتها بين العرب، لكن هؤلاء البلهاء ما أدركوا انهم عندما يحتضنون الدعوة وصاحبها ورجالها يكون لهم شرف ايما شرف وسؤدد لا يدانيه ما يتمتعون به وهم على الكفر. وكان تفكير الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هذه المقاومة التي تريد محو الحضور الاسلامي من خارطة العالم، منصبا على نشر الدعوة خارج مكة. فقابل بعض اهل يثرب في موسم الحج وعرض عليهم الرسالة فأمنوا به وصدقوه وهذه اولى الخطوات نحو تأكيد الحضور الاسلامي، ودعم هذه الخطوة خطوات اخرى من ابرزها بيعتا العقبة الاولى والثانية وارسال اول سفير داعية من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم الى يثرب ليعلم المسلمين امور دينهم، وليكون لبنة جديدة في اساس بناء حضاري اسلامي متميز. كل ذلك كان يتم بسرية تامة حرصا على اتمام خطوات هذا الهدف العظيم، بل ان خطوات الهجرة نفسها (ذهاب الرسول صلى الله عليه وسلم لاعلام ابي بكر بالهجرة والاعداد لها، ورسم خطوات السير الى يثرب والتواري عن اعين المشركين، ودور ذات النطاقين اسماء بنت ابي بكر رضي الله الله عنهما وأخيها عبدالله، ودور عامر بن فهيرة، وعبدالله بن اريقط، وما صاحب ذلك من وسائل التعمية والتضليل عن أعين الكفار) كانت تتمتع بنفس هذه السرية والكتمان. ووصل موكب النور الى المدينة المنورة، ولكن الطريق لم يكن ممهدا امام تأكيد الحضور الاسلامي فقابلت الرسول صلى الله عليه وسلم عدة مشكلات كان لابد من وضع حلول سريعة وحاسمة لها، وأخذ كافة الاستعدادات لمواجهة ما يستجد مما قد يعوق او يعطل هذا الهدف العظيم. ففي هذا الوطن الجديد واجهت الرسول صلى الله عليه وسلم عدة مشكلات تفوق ما عهده في مكة قبل ذلك ففي يثرب يعيش اهل الكتاب وهم بلا شك لهم موقف واضح من الدعوة ويتمثل ذلك في الانكار لها والكفر بها بل والعمل في الخفاء على طمس نورها. وهناك ايضا كفار قريش فليست ايديهم بعيدة عن الدعوة وصاحبها صلى الله عليه وسلم ورجالها. وهناك ايضا مجتمع جديد يحتاج الى اركان توطد وأبنية تشيد: اقتصاديا وعسكريا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا. هذه الظروف كلها جعلت الرسول صلى الله عليه وسلم يكتب صحيفة لتكون دستورا يلزمه المهاجرون والانصار واليهود تتلخص مبادئها فيما يلي: اولا: اقرت الصحيفة الوحدة بين المسلمين على اختلاف قبائلهم وعشائرهم وأنهم أمة واحدة. ثانيا: ان الشعار الذي يجب ان يسود بين المسلمين هو شعار التضامن والتعاون. ثالثا: الحرية الدينية مكفولة لليهود ولهم من الحقوق مثل ما للمسلمين وعليهم الدفاع عن المدينة في حالة وقوع هجوم عليها. رابعا: ان الحكم واقرار الامور انما مرده كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس للثأر ودعاوى الجاهلية سبيل بين المسلمين. خامسا: انه لا سلام مع قريش ولا تعامل حتى تدخل في دين الله. سادسا: ان نفقات الحرب موزعة على السكان وكل جماعة مسئولة عن تجهيز نفسها للقتال. وامتدادا لهذا كانت عزوات بدر وأحد والاحزاب ابرز الميادين التي شهدت اصرار المسلمين على اثبات الوجود الاسلامي، وأن الهجرة لم تكن فرارا من الاذى بقدر ما كانت مرحلة انتقالية من مراحل الدعوة في مسيرة هذا الدين الجديد. وكان فتح مكة بعد ذلك وارسال الكتب الى الامراء والملوك من القائد والمسئول الاول عن الدعوة صلى الله عليه وسلم تتويجا لنجاح الهجرة في تأكيد الحضور الاسلامي واثباته ليس على نطاق مكة او المدينة او الجزيرة العربية فقط بل على نطاق العالم بأسره. وكانت الفتوحات الاسلامية في العصور اللاحقة للعهد النبوي الشريف تؤكد هذا الحضور وتوضح معالمه الصحيحة لكافة من يقطن هذا الكوكب وذلك انطلاقا من قول الله عز وجل: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» الانبياء: 107. وتحقيقا لقول الله تبارك وتعالى: «وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها» الاعراف: 137. مصطفى أحمد قمبر ـ الشارقة