الجمعة 4 محرم 1424 هـ الموافق 7 مارس 2003 مضى عام هجري وجاء عام جديد لا يدري احد الا الله سبحانه وتعالى ماذا سيحدث فيه؟ وماذا ستكون احوال الامة الاسلامية خلاله؟ وهل يمكن ان تتنبه الامة إلى اسباب مجدها ورقيها ورفعتها وتعمل وفق هذه الاسباب لنيل ما تريد، ام انها ستمضي قدماً بنفس ما هي عليه الآن، دون الوقوف فترة من الوقت للتفكر والتدبر لتصحيح المسيرة والاخذ بالاسباب للنهوض من هذه الكبوة التي وقعت فيها منذ عقود ولم تستطع الخروج منها. ثمة امور قديمة ومتجددة اثرت ومازالت تؤثر على نهضة امتنا الاسلامية والعربية، لا نفيق من واحدة الا وتفاجئنا اخرى فنظل في كبوتنا، والعالم كله يسير من حسن إلى الاحسن ومن تقدم إلى آخر، وها هو العام الجديد يأتي ولنا تمنياتنا وامنياتنا على المستوى الشخصي وعلى مستوى الوطن حتى نكون خير امة اخرجت للناس عن جدارة واقتدار كما قال الحق سبحانه وتعالى «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله». إنها آمال معقودة منذ زمن طويل مضى على ابناء الامة ليرتفعوا عن الخلافات ويرتفعوا عن الامور التي بددت طاقاتهم واموالهم، وبددت مستقبلهم للسير جنباً إلى جنب مع الامم المتقدمة، انها دعوة مفتوحة للوقوف مع النفس للمصارحة والتعرف على مواطن الضعف، ومواطن القوة والتزود بالايمان الصحيح، والعزيمة القوية لتحقيق هذه الاهداف، التي بات تحقيقها يؤرق الانسان المسلم والانسان العربي، فهو يتمنى أن يكون وطنه في مستوى الاوطان الاخرى وان يكون افراده على مستوى افراد هذه الامم، يشاركون ويساهمون بروح الجماعة في نهضته وفي عزته وفي رفعته. واذا ما نظرنا إلى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة نجدها ارست معالم الاخوة الحقة بين الانصار والمهاجرين مما كان له اثر كبير وواضح في ارساء الدولة الوليدة التي يتآخى ويتعاون افرادها في السراء والضراء مستلهمين في ذلك آيات الله الكريمة التي تنادي بالاخوة، واحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تدعو إلى الوحدة وعدم الفرقة، والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى هذه الفرقة، من قول أو فعل، «إنما المؤمنون أخوة»، وفي الحديث الشريف: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» و«المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً». واستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل ويواصل الليل بالنهار لنشر دين الله سبحانه وتعالى لتحرير الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد الأحد، وان الناس كلهم سواء امام الله عز وجل لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح، فكان في المجتمع الاسلامي العربي والفارسي والرومي والحبشي، وكان فيهم الابيض والاسود، يعملون جنباً إلى جنب في الدعوة وفي الجهاد وفي جميع مناحي الحياة، واذا ما حدث شيء لهؤلاء هب رسول الله صلى الله عليه وسلم لوأد الفتن في مهدها، وتبيان ان التفاخر بالانساب والاحساب والتطاول على خلق الله، انما هي دعوى جاهلية تؤدي إلى انهيار المجتمعات وإلى ضعفها والتسبب في تقويضها، ودعاهم لأن يعتصموا بكتاب ربهم سبحانه وتعالى وحبله المتين، والابتعاد عن كل ما يفرقهم ويشتتهم، وهذا ما نحتاج إليه في وقتنا الراهن، لنجنب أنفسنا ومجتمعاتنا الشر المحدق بنا، «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا». السيد الطنطاوي