الجمعة 4 محرم 1424 هـ الموافق 7 مارس 2003 في معرض الصور الفوتوغرافية الذي أقيم مؤخراً، بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، نحن هنا بإزاء معرض عن الفلسطينيين، يقدم نفسه تحت عنوان «النساء والاطفال أولا» نكتشفه لاحقا في المعرض أن ذلك ليس بمعنى إنقاذهم، بل بمعنى أنهم هم أولى الضحايا لكونهم عراة وضعفاء تجاه الجبروت الإسرائيلي ومعطيات الاحتلال. فصورة الطفل العادي التي التقطها المصور جون تورداي في الضفة الغربية ليست صورة في ظاهرها شئ من العنف الإسرائيلي الواقع على الاطفال والنساء في فلسطين ولكن في عمقها حالة العري والوحدة التي بات عليها الاطفال والنساء وهم يواجهون مصائرهم وأقدارهم. فالطفل يبدو لنا عاريا تماما من اي شيء يحميه، قطعة من اللحم في مواجهة ما نعرفه تماما وما ينتظره من دبابات ومدافع إسرائيلية ترى الأم في جانب من الصورة تحاول مثلها مثل الآخرين في فلسطين أن يعيشوا حياة عادية إذ تحضر هذه الأم «لحموم» ابنها لكن فقر البيت وخوفها وبكاء الطفل وخوفه ليس من الحاضر أو المستقبل بل ذعره من كل شئ يشير إلى إستحالة ممارسة أي نوع من الحياة العادية فكابوس الحرب الذي تريد أن تفر منه صار يحاصرها في أعمق جزء من حياتها وبيتها وطفلها. كانت هذه الصورة تلخص حالة العري التي يعيشها الاطفال والامهات الفلسطينيات تحت نيران الإسرائيليين فصورة الطفل التي التقطها تورداي في أحد مستشفيات غزة تلخص حالة العجز فنحن أمام طفل فقد ساقيه واحدى ذراعيه وبات قعيدا على هذا السرير الذي يبدو كنعش تجده هنا مطرقا في أسي ومراره كأنه يحاول أن يفر من الكاميرا يحاول أن يفر من لحظته حيث لا فرار لا يجد مخرجا من حالة العجز التي بات عليها مبكرا هكذا في الحياة الكوفية الفلسطينية على كتفيه جعلته هو في ذاته رمزا للفلسطينيين جميعا في ورطتهم وعجزهم. موضوع المعرض الذي استهدف كشف المقابلة والمفارقة بين ضعف وعراء الاطفال والنساء الفلسطينيين تجاه قوة وجبروت الآلة العسكرية الإسرائيلية كان لابد أن يكون بالأبيض والأسود مقابلة لونية جذرية في الصورة تعكس الدلالات المتعددة للأبيض والاسود في الواقع والحياة فالأبيض هنا هو براءة الاطفال وضعف النساء في مواجهة الاسود لون ملابس ووجوه ورشاشات لون دبابات والمجنزرات الإسرائيلية أنه أسود الحزن وأسود الأزمنة وأسود اليتم وعدم وجود أحد في هذا الخلاء أمام الجبروت الإسرائيلية المتجبر فهنا لقطات في مخيم خان يونس لنسوة يبركن على الأرض أسيرات الذل والقهر يغطيهن السواد وتفيض منهن ملامح المرارة والاحزان بعض النسوة كن يرتدين طرحاً بيضاء على رؤوسهن هذا الأبيض لا يضئ المشهد بل يؤكد السواد فيه أن الابيض هنا ذليل باهت. في لقطة أخرى تظهر أم تمسك بصورة ابنها الشهيد الأم منهارة ولكن تعبيرات وجهها ليست حزينة بقدر ما هي تعبيرات إستجداء إنها تمد يدها إلينا إلى المصور إلى كل عابر سبيل أن يرد إليها فقيدها أن يرفعها من تحت هذه المصيبة التي أقعدتها، ولكن باقي الصورة يكشف إلى أي مدى هذه السيدة مهمشة وإلى أي مدى هذا العالم لا يعبأ بأحزانها ففوقها تماما بقايا ملصق تقول العبارة التي بقت فيه «بداية جديدة في عالم التكنولوجيا المتقدمة». الحالة الأخرى والمسيطرة التي ينقلها لنا المعرض هي حالة الحصار الذي يسيطر على الفلسطينيين خصوصا الاطفال والنساء والشيوخ فالعساكر الإسرائيليون يحاصرون الناس على جميع الحواجز والناس محاصره بالضيق والعتمة والقذارة والاهمال في المخيمات والقضبان التي تحجز الناس خلفها تظهر في الصور في كل مكان حتى أفراد السلطة الفلسطينية أحيانا يقفون يحجزون الناس وراء البوابات وأن كانت هذه الصورة تعكس وجهة نظر المصور إذ أنه يريد أن يساوي السجن الذي تمارسة سلطات الاحتلال الإسرائيلي مع بعض التسلط الذي تمارسه السلطة الفلسطينية وهذا غير صحيح فحتى إذا كانت السلطة الفلسطينية تمارس قدرا من التسلط على الناس فلن يكون مساويا للعصف والقتل الذي يمارسه العدوان الإسرائيلي. ينقل إلينا المصور جون تورداي في أكثر من صورة ذلك التقليد الذي بات في فلسطين من كون الفصائل الفلسطينية باتت تنعي وتعلن عن شهدائها بملصقات تحمل صورهم وعبارات تأبينهم فنجد أن صور الشهداء أمتلأت بها الشوارع وبدأت توضع فوق صور «أفيشات الافلام» الشهداء هم النجوم الجدد للمجتمع الفلسطيني وفي إحدى الصور نجد أماً تمسك بيدي طفليها وتمشي في الشارع ولكن صور الشهداء على جانبيها تومئ إنها تمشى بطفليها إلى مستقبل، الشهادة هنا بلاغة فنية عالية من المصور في جمع واختزال مفردات الواقع في حيز ضيق للتعبير عن المعنى بمفردات الصورة. ولكن هذه الصورة تطرح في جانب منها أيضا وكأن المصور هنا يحمل الفلسطينيين وليس الإسرائيليين أنهم هم من يذهبون بأولادهم إلى الموت وليس واقع الاحتلال الإسرائيلي وهذا ما كانت تردده إسرائيل طوال الوقت تبريرا لقتلها للأطفال الفلسطينيين. جون تورداي هو من أصل بريطاني مصور صحفي يعمل في مجلة «صنداي تايم» وعدة مجلات أخرى علاقته بتصوير الفلسطينيين ترجع إلى سنوات بعيدة حيث صور الفلسطينيين منذ بداية الثمانينيات قبل أن تصبح فلسطين مأوى للمصورين والمراسلين الصحفيين وقنوات التليفزيون.وقد أصدر صوره التي التقطها للفلسطينيين في أوقات مختلفة في كتابين أحدهما اسمه «أرض الميعاد» والآخر بعنوان «أناس يدعون بالفلسطينيين» ويقول عنه الكاتب جواشر في مقدمته للمعرض أن جون تورداي ليس مهموما بالأبعاد الفنية وجماليات الأبيض والأسود فحسب بل تكون لديه غالبا حكاية تعبيرية درامية في ذهنة يريد أن بنقلها إلينا بالصورة. محمد عبد الحميد ـ القاهرة