الخميس 3 محرم 1424 هـ الموافق 6 مارس 2003 طبعت رواية الليل الأبيض لمؤلفتها مريم محيي الدين ملا بنسخة من القطع المتوسط نطالع على غلافها اطار صورة لمنظر طبيعي وظلال شمس واهنة تظهر من خلف السحاب تعلو اطار اللوحة في الفراغ الابيض كلمتان بالخط العريض الاولى: «الليل» خططت حواف حروفها بلون اسود رفيع، والكلمة الثانية: «الأبيض» طبعت بلون اسود عريض ينقل لنا انطباعاً مبدئياً عن تعاكس الاشياء رغم وضوحها، حتى بعد ان نقلب الغلاف نجد عنوان الرواية «الليل الابيض» كلمتان طبعتا باتجاهين متضادين، تستهل الراوية بيتين من الشعر للشاعر «إلياس ابو شبكة» عن اختلاجات النفس واهوائها في لوعة المشاعر وضروراتها «أرح قلبك الخفاق من شقوة الهوى.. فكل هوى بؤس الحياة يراوحه، اذا النسر لم يجثم وقد ظل صاعداً.. يحلق في الاجواء تبرى جوانحه». في الصفحة التاسعة تبتدئ الرواية وتكتمل نهايتها حسب رأي المؤلفة في منتصف الصفحة التسعين بعد المئة بلا مقاطع او اجزاء، عبارة عن سرد واحد متصل من بداية رسم الشخصيات وتصوير الاحداث بمراحلها المتنوعة حتى الخاتمة.. لذا قررت ان اكتب انطباعي على نمط الرواية دفعة واحدة. من البداية الى النهاية تبدأ بأحداث منفصلة في فترة قصيرة لا تتعدى الأيام نستمر نطالعها تقريباً حتى المئة صفحة الاولى، وتختصر احداث سنتين في تسعين صفحة فقط.. الشخصية المحورية مدرس قادم من مكان بعيد ليدرس في منطقة نائية جميلة الطبيعة وخلابة المناظر «قرية اليازدية»، ينم ذكر الاحداث عن تاريخ بداية استقلال سوريا في منتصف الخمسينيات، الأحداث تصف علاقة مليئة بالمشاعر الجياشة لكنها غير متكافئة لتنمو وتثمر فتبقى دفينة الخواطر، تنشب ما بين المدرس الجديد وزوجة الطبيب الجميلة التي يشاهدها في الصدفة ويكون منزلها مجاوراً لمنزل السيدة ريحانة التي استضافته عندها طوال تدريسه، ومن ثم الواجب والتفاني في التضحية من اجل صداقة حديثة مع السيدة «ريحانة» صاحبة المنزل، والشاب عماد القاطن معه في نفس المنزل مع تسامح سيدة المنزل عن اجرة سكنهما او مأكلهما وخدمات اخرى كثيرة، عماد يصاب بمرض عضال يؤدي به للعمى، فيكون بطل الرواية هو المعين الوحيد وبؤرة الحدث طوال الرواية. سعت المؤلفة لتظهر بطريقة رومانسية ان آخر اهتماماتها هي الناحية المادية، ربما غفلت او تغافلت لكن الواضح من السرد المسهب ان الاشياء في جوهرها اسمى من ان تعالج بطريقة مادية حسابية فكانت اقرب الى المثالية منها الى التصوير المنطقي لتصارع الحياة في شرح مسهب عن الطبيعة والصورة الواقعية والحياة اليومية التي تنقلها، وهكذا جاءت شخصية المدرس بطل الرواية كقالب من بلور غض ليس له اية تجارب سابقة يتهشم عند اية صدمة، رغم الصدمات القاسية التي تعرض لها في الاحداث الا انه يبدو غير متأثر، او واع، او فاعل، فهو كالمنظار يراقب ويسجل وكأن القص ينبئنا ان بطل الرواية يدرك انها سوف تكون مجرد رواية منسوجة من الخيال وليست واقعاً يعيشه شخص هناك بتدخلات انطباع المؤلفة على الشخصية الروائية، فالانفعالات متروكة للطبيعة وحدها وتذليل المصاعب او حلها سوف يأتي من المألوف بشكل بسيط مسالم دون اية مشاق او صعوبات، اتت الوقائع متسارعة لأحداث متراكمة حلولها جاهزة. رواية غيرت لون الليل الى النقيض وصنعته بشكل ابيض وسط عتمة ليلكية فيها الكثير من اشتقاقات الطبيعة ومفرداتها السحرية، يبدأ النص بشكل سرد متسلسل لخطوات احداث كانت وانتهت، اجمل ما في السرد تلك التعابير التي تحمل عينيك على جمالية الصورة المنعكسة عن جو الرواية حتى تبدو المآسي لها وقعها المريح والاوجاع لها طعم الحلاوة في الروح وكان تفصيل احتياجات النفس لمعرفة المجهول المرتقب له حضوره المتميز من الصفحة (37 الى 39). ثم جاء الاسهاب والوصف المستفيض للطبيعة والليل والنهار رغم ساحريته في بعض الاحيان مع ذكر عناصر الوجود والمحيط بدقة متناهية حتى نظن ان الرواية بالأساس كرست لخدمة الطبيعة وما الاشخاص فيها الا مجرد نقاط ارتكاز لوصف مسهب عن مخزون وصفي للطبيعة المأثورة بقلم المؤلفة، استطيع القول انه الامر الاكثر توظيفاً في الرواية كاملة، ذلك التناغم ما بين الطبيعة الساكنة وعناصرها المتحركة، فلا تغفل الذاكرة عن سرد ادق التفاصيل المحيطة والتي لا ينتبه لها القارئ كثيراً الا بعد قراءتها فيشعر ان المؤلفة لم تنس الاشياء في تسجيلها بشكل متراص لكنه في بعض الاحيان مكرر، وفي احيان اخرى يقع خارج النص وغامض الهدف مثلاً تكرار وصف المنزل وتأثيثه، تكرار وصف اللوحات المرسومة، تكرار وصف الطبيعة والليل والنهار والشمس والقمر، حتى في بعض الاحيان تقع الجمل في رتابة السرد بعيدة عن روح النص «فتحت النافذة وراح صريرها يصم الآذان.. كأنها لم تفتح منذ بنائها.. أزحت الستائر ونظرت الى القمر..» ص16، ابعدت الستارة لأفتح النافذة مرة اخرى فلاحظت ان صريرها اصبح أخف.. ص20، بدأت النجوم في السماء تكشف عن مفاتنها، فبدت بيضاء ناصعة وهي تحاول الاختفاء بين السحب خجلة من نور القمر.. ص34، ضوء القمر نتناول طعامنا بسكينة وهدوء ص90، سلط القمر ضوءه علينا وعلى الرابية ص,151. الخ. استطيع القول ان الانطباع الذي وصلني هي محاولة المؤلفة لجعل الحياة وطبيعتها اكثر سحراً وجمالية من المألوف، وكم تكون الحياة جميلة ونقية وفيها كل هؤلاء الطيبين فكانت شخوصها منسوجة من عالم ملائكي تتأثر بنوازع الآخرين المحيطة بها دون ان يكون لها نوازعها او غاياتها الشخصية التي تنصاع وتتصارع لأجلها، شخوص عجنت من المثالية النقية ليس فيها هواجس ولا اطماع.. مثلاً: «ورأيت السيدة ريحانة وهي قادمة من الممر المؤدي الى الحديقة، ودخلت والابتسامة تعلو وجهها، ثم جلست قربنا بعد ان ألقت علينا التحية قائلة بسرور هل استطيع القول انكم اصبحتم اصدقاء؟ ونظرت الي تنتظر جواباً مني ثم التفتت نحو عماد معاتبة: ألم أقل لك يا ولدي ان لا تهجر المنزل وتبقى بالمنحلة، لقد اشتقت اليك ولست مطمئنة عليك هناك، فضحك عماد واجابها: لا تقلقي يا سيدتي، اني بخير، وانا سعيد بوجود نادر بيننا وبصداقته..». تبقى الرواية من الاعمال المريحة الممتعة التي يستمتع القارئ في تناولها وتشده بعض فقراتها وجملها لعوالم الطهر والصفاء والعاطفة المتأججة، فمن الواضح ان الكاتبة بذلت جهداً خيالياً متميزاً لتعطي رواية رومانسية من النمط الكلاسيكي القديم، تسعى من خلاله الى تهذيب النفس وتجميل المشاعر والعلاقات وتسمو بالاخلاق فوق رغبات البشر فتعطينا انطباعاً بالتفاؤل والتعاضد مع انسانيتنا التي نسيناها في حاضرنا المادي وعصرنا المتسارع الذي لا يرحم الضعفاء ولا يقيم وزناً للروحانيات المقتولة بفعل اصحابها. عدنان يوسف