الخميس 3 محرم 1424 هـ الموافق 6 مارس 2003 إذا كان الشعر رافداً من روافد الأدب، يروي ظمأ البشر إلى المعرفة التي تخالطها لذة الإحساس بالجمال، فإن لهذا الرافد منبعاً يصدر عنه وهو الشاعر، ومصبّا ينتهي إليه، وهو القاريء. وبين المنبع والمصبّ فرق، فالمنبع ـ وهو الشاعر ـ فرد لا يمثل إلا نفسه، والمصبُّ جماعة القراء التي تستقبل نتاج الشاعر، فتستملحه أو تستقبحه وتقيم على أساس الاستملاح والاستقباح علاقتها به. وطبيعة العلاقة التي تصل الفرد المنتج بالجماعة المتلقية هي التي تحدد وظيفة الشعر، وتلقي عليه التبعات التي يضطلع بها. ولما كان الشعر أوفر الأجناس الأدبية حظاً من العناصر الشخصية، وأبعد هذه الاجناس عن الموضوعية فإن وظيفته تتحدد تبعاً لطغيان العناصر الشخصية وانحسارها، وعلى ضوء بروز النزعة الفردية واستتارها. فكلما كبر الإحساس بالذات، ضمر الاحتفال بالتبعات، وتحوّل الشعر إلى غناء، لا تسمع في أصدائه إلا نغمة واحدة تتردد في جنبات القصائد. فإن وافقت هذه النغمة طبعا مغروساً فيك أصغيت، وان لم توافق مثل هذا الطابع أعرضت، وملت بسمعك إلى نغمة أخرى، تصدر عن شاعر آخر. وكلما ضؤل حجم الذات، وانحسرت العواطف الشخصية، وطغى الحسّ الجمعي على الحسّ الفردي ألقيت على الشعر تبعات ثقال، وأريد على أن ينهض بها، ويؤديها في أكثر من ميدان، وعلى هذا النحو تتسع الدائرة التي تكنفه، وتعظم الامانة التي يحملها، وتتعدّد النغمات التي يعزفها، وتكثر الآذان التي تصغي اليه. وبعد الدائرتين: الصغيرة المغلقة على الذات، والكبيرة المنفتحة على الجماعة، تأتي دائرة كبرى تسع الحلقتين السابقتين، وتصل الذات المتفردة بالإنسانية جمعاء، لتقييم التوازن بين الكفتين وتصل ما انقطع بين الطرفين، واليك البيان: في الدائرة الصغيرة تتحدد وظيفة الشعر بتصوير الجمال، وبالحرص على الامتاع بالابداع، والتغني بما يلذ الشاعر، سواء أكانت لذته ممّا يباح كوصف الطبيعة، والتشبيب بالمرأة، أو مما يحرم كإطراء الصهباء والافتتان بالغلمان. وفي هذه الدائرة الصغيرة تتجلى نظرية الفن للفن، وتتوارى نظرية الفن للحياة، إذ ينصرف الشعر الى وظيفة وحيدة، وهي تجميل الواقع، واسعاد القاريء بما يسعد الشاعر، فيطرب عاشق الطرب لموشحات الأندلس، ويتمتع المدمن بخمريات أبي نواس، يهتز ابن البيئة البدوية لغزل ذي الرمة، ويترشف الغارق في ترف الحضارة من غزل القباني. وربما اعجب القاريء الواحد بكل تجلّيات الشعر الذاتي، ذاهباً الى ان الشعر يصور الجمال اني وجده، وانه معرض من معارض الفن، لا صلة له بخلق أو دين، ولا ارتباط له بفضيلة أو رذيلة، ولا فضل فيه لعذري على عمري، ولا لطاهر على عاهر، وانما الفضل فيه لمن يمتع بما يبدع، ولو انطوى ابداعه على جنوح وفسوق أو أغوى امتاعه بانحراف عن السلوك السويّ، أو اجترأ على خُلُق أجمع الناس على إكباره. ولو خطر لك ان تعارض هذا التيار الفني الخالص، فتحاور أربابه فيما يجترحون لقالوا لك: الشعر ليس وسيلة لبلوغ غاية، وانما هو غاية في ذاته، وليس اداة مسخّرة لتحقيق هدف، وانما هو الاداة والهدف. انه لعبة فنية ذات اصول، من اتقنها استحقّ شرف الانتماء الى نديّ الشعر، وسُمح له بأن يمارسها. واذا كان لاعب الشطرنج لا يُسأل عن خلقه ، فلماذا تكلف الشاعر أن يحمل فلسفتك في الحياة، ودعوتك الى الرشاد؟ الشعر ظاهرة ساحرة من ظواهر الحضارة، فمتى تكاملت شروطه الفنية فرض نفسه على الناس، ولم يسمح لاحد ان يحدد أغراضه ومراميه. أولا يكفيه شرفاً انه يرهف الحسّ، ويصقل الذائقة، ويرقى بالانفعال، ويصعّد الغرائز، ويروي الظمأ؟ فلماذا تحمّله ما لايطيق، وتطالب أربابه بأن يكونوا مبشرين ومنذرين، والتبشير والانذار صنعة الوعاة لا صنعة السَّحَرة المَهرَة؟ وبعد ان تحاور هؤلاء المتقوقعون على ذواتهم المنقطعون الى نزواتهم، يخيل اليك ان جوهر الشعر في مبانيه لا في معانيه وفي مشاعره الذاتية لا في مقاصده الاجتماعي، فتتذكر رأي الجاحظ. وهو ان المعاني مطروحة في الطريق، وان الفضل لمن يحسن صياغتها، وصبها في ألفاظ انيقة رشيقة لا تحويلها الى فلسفة عميقة دقيقة، وتتذكر رأي (مالارميه) الذي يزعم ان الشعر عمل تصنعه الكلمات ولا تصنعه الافكار وفي هذه اللحظة ان كنت ممن يحملون همّ الامة احسست بالخيبة، لانك كنت تسعى الى الخير ولكنك التمسته من غير أهله. ولهذا تبحث عن تيار آخر، يعنى بالفكر فوق عنايته بالسحر، ويطالب الشعراء بما يطالب به الفلاسفة والمصلحين الغيارى على مصلحة الامة، الصادقين المخلصين لما يعتقدون وتعتقد أنه الحق الحقيقي بالاهتمام، والخبر الجدير بالعمل في سبيل الوصول إليه، تبحث عن هؤلاء لا عن الذين يتبعهم الغاوون. وقبل أن تنقلب خيبتك الى يأس يتلقاك ارباب التيار الملتزم، وهؤلاء يؤمنون بان الجماعة فوق الواحد، وبأن ما يجمع عليه الناس أولى بالتقدير وأجدر بالإكبار مما يتفرد به شاعر فرد، أو ثلة معدودة في عداد القلة. وأرباب هذا التيار يرون ان واجب الشعر الأول ووظيفته التي خلق من أجل الصدع بها هي التعبير والتبشير: التعبير عن وضع المجتمع المتخلف، والتبشير بوضع متقدم متوقع. ويحرمون على الشاعر ان يقتلع جذوره من طبقات الشعب الدنيا، ولايحرمون عليه ان يغرس جذوره في أدنى الطبقات ولو كان من ابناء السراة. ولا يحتقرون احداً كما يحتقرون الذين يفرّون من الصراع والقراع، ليعيشوا في أبراج العاج، وليتنصلوا من الالتزام متذرعين بالاخلاص للفن والجمال. ويلاحظ ان الملتزمين المحدثين اغتصبوا مصطلح الالتزام، ثم افرغوا فيه ما في قلوبهم من تعصب للفكر الاشتراكي، وقصروا شرف الانتماء اليه على اتجاه فكري اساسي سياسي واحد، وهو الاتجاه الماركسي الذي يذيب الفرد في المجموع ويجند مواهب الشعراء والكتاب والرسامين في الجيش المدافع عن الكادحين، وهذا الاتجاه يقدم المعنى على المبنى والمضمون على الشكل، ويدّعي انه ينظر اليهما بعين العدل. والحق انه يجعل الانتفاع بالفكر أهم من التمتع بالشعر، ويجعل الشاعر عضواً في نقابة الكتاب الرسميين، ثم يلحقه ونقابته باتحاد العمال. انه يوظف الشعر توظيفا ترسم حدوده الدولة الشمولية النظام، المكافحة تحت راية الالتزام، فيحمله تبعة الكفاح في سبيل الرقي بالعامل والفلاح. فإن كان الشاعر من المؤمنين بهذه التبعة أحسن النهوض بها وأتقن التعبير عنها. وان كان من المعارضين صمت وقنت، وان كان من المصانعين قصرت موهبته عن غايته، وناءت مقدرته بوظيفته، أو أداها تأدية متكلفة يعوزها الصدق، ويضمر حظها من الابداع، ويغلب عليها التكلف والتصنع. فإذا أدراك قراؤه انه يمضغ كلام الحكام، لم يتأثر به معسر، ولم يعذره موسر بل حشره الفريقان في زمرة الاخسرين اعمالاً، الذين خسروا جمال الشعر وطيب الذكر، وتبين لهما ان انتماءه الطبقي ليس الا ادعاء وافتراء، وثبت له ان هذا الانتماء ليس أكثر من سجن أخر. قد يكون هذا السجن أوسع من سجن التيار الفردي، لكنه يفرض على سجينه العزلة وضيق الافق، فلا يهب جناحيه الا حرية محدودة، تكفيه للتصفيق، ولا تعينه على التحليق. ثم يتراءى له خلف السجنين أفق اوسع مدى، يسمح للشعر بتأدية وظيفته على نحو أنجع وأمتع، وأوفى واشفى، فما هذا الافق؟ إنه الافق الانساني الذي يسع الفرد المعتز بشخصيته، والجماعة الحريصة على مصالحها وقيم التوازن بين كفة المواهب وكفة المذاهب، فلا يسمح للموهبة بان تكون جمالاً بلا فكر، ولا للمذهب بان يصبح قفلاً على الشفتين، ورقيباً على اللسان، وموجها للفكر، وراصدا للحركة. هذا الافق لا يلزم الشاعر شعاراً، ولاينطقه الا مختارا، اذ يخلي بينه وبين عصره وشعبه، يتأثر بهما، ويؤثر فيهما. فإذا لامست موهبته المشكلات التي يعانيها الآخرون فجرتها، ونجم عن تفجيرها شعر جميل اصيل يجمع الصدق الذاتي من الناحيتين العاطفية والفنية، الى الوظيفة الفكرية الاصلاحية في اطاريها الاجتماعي والانساني، وهذا الضرب من الالتزام العفوي الطوعي هو الالتزام الحقيقي، وهو الوظيفة الجوهرية التي خلق الشعر للاضطلاع بها. ومحك النقد إذْ يُؤْثر هذا الأفق على سابقيه يدرك انه هو الافق الاسمى القادر على أن يحدد وظيفة الشعر بلا حدّ يقود اليه القصد، وانما يكنف الشعر بعوامل الانتفاء والارتقاء، ويعينه على إقامة التعادل بين الموهبة الاصيلة والغاية النبيلة، فتتحول الاولى الى ابداع وامتاع بما ينفع الناس، وتتحول الثانية الى وظيفة شريفة تعمل عملها الصادق على ضوء الفن المنبثق من قلب الشاعر، لتؤدي رسالتها الانسانية في ظلال الحرية، فلا تخنقها أثرة من الذات الغارقة في الشهوات، ولا يفرض عليها إيثار بلا اختيار