السبت 28 ذوالحجة 1423 هـ الموافق 1 مارس 2003 عرض كولن باول، وزير الخارجية الاميركي على مجلس الامن الدولي مؤخراً مجموعة من الصور الجوية التي التقطتها طائرات التجسس والاقمار الصناعية لما ادعى انها منشآت عسكرية عراقية. وبطبيعة الحال لم تقنع تلك الصور الفوتوغرافية اعضاء مجلس الامن باتخاذ قرار بشن عملية عسكرية ضد العراق. والسؤال الآن هو ما اهمية الصور الفوتوغرافية الجوية في العمل التمهيدي لشن عمليات عسكرية، وما هي تلك الصور التي صنعت التاريخ. ظلت الصور الجوية تمثل عاملاً حاسماً في الاعداد للحرب والكشف عن الترسانات الحربية للأعداء والاصدقاء على حد سواء، ويخضع خبراء متخصصون هذه الصور لعمليات تحليل دقيق للغاية لتحديد اماكن تلك الترسانات او المصانع الحربية التي قد تنتج اسلحة نووية او كيماوية او بيولوجية او حتى تقليدية. وتستفيد القوات المسلحة من هذه التحليلات في توجيه الضربات العسكرية وتدمير تلك المنشآت. وهناك عدد كبير من الصور الجوية التي دخلت التاريخ، ولعل اكثرها شهرة تلك التي كشف عنها جون كيندي، الرئيس الاميركي الاسبق وكادت ان تؤدي لنشوب حرب بين العملاقين النوويين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وتظهر الصورة عمليات اقامة منصات لاطلاق الصواريخ قصيرة المدى المزودة برؤوس نووية في مكان ما داخل كوبا. ودخل القطبان في حملات تلاسن وتهديدات وعاش العالم فترة عصيبة وتهيأ لنشوب حرب كونية بسبب ما يسمى مشكلة خليج الخنازير. وطالبت الولايات المتحدة الاتحاد السوفييتي بسحب تلك الصواريخ وتدمير المنصات، واتخذ الاتحاد السوفييتي موقفاً رافضاً ومتشدداً، إلا انه وتحت مناشدات من قادة العالم اضطر لسحب تلك الاسلحة المدمرة، فتراجعت بذلك ظلال الحرب وعاد العالم يحلم بحياة آمنة، وكان ذلك العام 1962. وجاء العام 1998 وانتقل العالم الى مدينة الخرطوم بحري في السودان حيث اجبرت القذائف الاميركية التي تساقطت من السماء ودكت مصنع الشفاء للادوية السكان المذعورين على الهرب من بيوتهم. وحبس العالم انفاسه، اذ ها هي الولايات المتحدة تعتمد على تحليلات الخبراء لاحدى الصور الجوية والتي اكدوا فيها ان هذا المصنع ليس مصنعاً للادوية والعقاقير الطبية بل منشأة لانتاج الاسلحة الكيماوية. وهكذا صنعت صورة اخرى التاريخ، حتى بعد ان تأكد العالم من ان المنشأة التي دمرتها قذائف الطائرات الاميركية ليست سوى مصنع للدواء فحسب. ودكت القاذفات الاميركية العملاقة ما كانت تعتقد انه معسكراً لتدريب افراد القاعدة في افغانستان في العام نفسه. والتبرير الذي ساقه القادة العسكريون استناد الى تحليلات خبراء تحليل الصور الجوية هو ان الموقع لم يكن معسكراً للتدريب فقط، بل كان مكاناً لانتاج اسلحة بيولوجية، وهكذا خدع الخبراء القادة العسكريين وللمرة الثانية في عام واحد. وتعرضت الولايات المتحدة وحليفتها الدولة العبرية الى احراج شديد عندما تم الكشف عن صورة جوية للمفاعل النووي ديمونة في صحراء النقب العام 2000، وكانت الدولة العبرية التي لم توقع على معاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية، ترفض وجود اي برامج نووية أو خطط لانتاج هذه الاسلحة المدمرة مخافة ان تفرض عليها الولايات المتحدة عقوبات تجارية ودبلوماسية، ومع ذلك فقد كشفت الصورة الجوية عن كذب الحكومة الاسرائيلية وتستر الادارة الاميركية واكدت للعالم امتلاك الدولة العبرية لرؤوس نووية يتم انتاجها في مكان لا يبعد عن القاهرة سوى خمسمئة كيلومتر فقط، ومع ذلك لم تهاجم القاذفات الا وجاء العام 2002 ليشهد الكشف عن صورة جوية اخرى، ولكن في العراق هذه المرة، واشارت شركة جلوبال سيكيوريتي التي كشفت عن الصورة انها لموقع مركز تويثا للأبحاث النووية الذي يقع جنوب شرق العاصمة بغداد، وبطريقة توحي بأن المركز يعمل على انتاج رؤوس نووية، وسارعت الحكومة العراقية ونفت ان استخدام المركز في انتاج اسلحة، واصطحب مسئول كبير مجموعة من رجال الاعلام والصحفيين في زيارة للموقع ليتأكدوا من ان المنشأة لا تستخدم لاغراض عسكرية. وما يلفت النظر في الصورة الجوية لمركز تويثا هو ان الكشف عن تلك الصورة سجل اول واقعة تقوم فيها مؤسسة غير حكومية بالتأثير على تصرفات دولة ذات سيادة. والآن وبعد ان تم توجيه التهم لبعض الدول والمنشآت، وتم تدمير مصانع ومعسكرات لا لسبب إلا لان المحللين اكدوا انها معامل لانتاج اسلحة بيولوجية وكيماوية، وثبت عدم صحة تلك التحليلات بعد ان تم هدم ودك المصانع، هل نشهد القاذفات الاميركية تصب حممها على مفاعل ديمونة، ام انها ستوجه ضرباتها نحو مركز تويثا البريء من كل التهم. مأمون الباقر