الجمعة 27 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 28 فبراير 2003 في عام 1976، اعلن محاضر شاب في جامعة اكسفورد على الملأ زعماً مزعجاً بشأن الطبيعة الحقيقية للانسان، وقال في حينه: «اننا آلات بقاء ومركبات روبوتية مبرمجة بشكل أعمى للحفاظ على الجزيئات الانانية المسماة الجينات». لقد ظهر هذا التصريح الذي يثير القشعريرة في البدن في مقدمة احد الكتب العلمية الاشهر في القرن الماضي، والذي دفع مؤلفه الى مصاف المشاهير العالميين، مؤلف الكتاب هو ريتشارد داوكنز، الذي يعمل الآن استاذاً في جامعة اكسفورد ويعتبر واحداً من اكثر المؤيدين نفوذاً لنظرية داروين في التطور. والكتاب الذي وضع فيه زعمه المثير للجدل هو كتاب بعنوان «الجينة الانانية» الذي حقق له عنوانه ارقام مبيعات عالية .. ويعتقد الكثيرون ان الكتاب يروي قصة اكتشاف داوكنز لفرضية ان جميع المخلوقات الحية، بما في ذلك البشر، يخضعون لسيطرة جينات انانية لا تهتم الا ببقائها ولن تتوانى عن فعل اي شيء لضمان توريثها، حتى لو ادى ذلك الى التضحية «الأوعية الناقلة» التي تجد نفسها فيها ـ والمقصود الانسان بشكل اساسي ـ اذا كان ذلك يناسب هدفها. غير ان الحقيقة غير ذلك تماما. فالجينة الانانية هي مجرد محاولة لاظهار ان التطور يفهم بالصورة المثلى من خلال التفكير بالجينات وتخيل انها انانية، ان داوكنز لا يزعم ان الجينات انانية في الواقع، او انها تعرف بطريقة ما الشيء الذي تقوم به. ولا يزعم بأنه اكتشف الدليل الذي يدعم نظرته للتطور، كما انه لم يزعم اننا نحن البشر عاجزون عن مقاومة مطالب جيناتنا الانانية، بل على العكس من ذلك. فقد كان هدف داوكنز الوحيد هو طرح هذه الرؤية للتطور امام جمهور واسع، وفي خضم عمله هذا، صاغ واحدة من اكثر الاستعارات القلمية المصنعة والمضللة في آن واحد. ان الجينة الانانية هي فكرة تدين بأصولها الى المحاولات لحل لغز حير علماء التطور منذ فترة طويلة، ومن بينهم داروين، ففي كتابه الشهير: «اصل الانواع»، اظهر داروين كيف يعمل الصراع من اجل البقاء «كمرشح» تمر عبره بعض المخلوقات فقط، وبالاساس تلك الانسب للبقاء، ثم تترك هذه المخلوقات نسلا لها يرث تلك الصفات مما يدفع عملية التطور الى الامام. ولكن داروين عرف ان بعض المخلوقات يبدو انها تتحدى هذا المنطق الذي لايرحم. فهي تمتاز بصفات مثل الشجاعة، التي تقلل بشكل واضح من فرصها في البقاء طويلاً بدرجة تكفي للانجاب. اذن لماذا تدوم تلك الصفات؟ ولماذا تصدر الطيور صيحات تحذير للطيور الاخرى على الرغم من خطر تعرضها هي نفسها للهجوم او ينخرط النحل في عمليات لسع انتحارية للدفاع عن خلاياها؟ اقترح داروين في كتابه «أصل الانسان» المنشور في عام 1871، ان عملية التطور ربما لا تعمل في بعض الاحيان على مستوى الافراد وانما على مستوى مجموعات بكاملها، ولهذا فانه وبينما قد لا تفيد الشجاعة الفرد، فانها قد تفيد المجموعة بأكملها. واصبحت فكرة الانتقاء الجماعي «فكرة شائعة جداً في اوساط علماء الاحياء لسنوات بعد ذلك. وفي الستينيات من القرن الماضي، زعم عالم البيئة الاسكتلندي فيرو وين ادواردز ان الانتقاء الجماعي قد يفسر السبب الذي يدفع الغربان الى التوقف عن التزاوج اذا اصبحت اعدادها كبيرة جدا، ففي حين لا يوجد معنى جيني للغراب كفرد في هذا التصرف، فان له هدف واضح بالنسبة لبقاء المجموعة. لم يقتنع جميع العلماء بهذا الرأي، فأشار المنتقدون الى ان الغربان ربما كانت عاجزة عن وضع الكثير من البيض بسبب ندرة الغذاء، وبحلول منتصف الستينيات من القرن الماضي، تعرضت فكرة الانتقاء الجماعي للهجوم من جيل جديد من علماء الاحياء الذين اصروا على ان مثل هذا السلوك ـ والتطور عموما ـ يجب فهمه من حيث وحدة الحياة الاساسية الا وهي الجينات. وكان من هؤلاء العلماء ريتشارد داوكنز الذي اضاف الى الجينات شيئا آخر هو الثقافة، التي هي عبارة عن مجموعة المعتقدات والممارسات والاخلاق التي تقولب المجتمعات الانسانية. ولقد امضى داوكنز الاعوام الـ 25 الماضية يحاول ان ينقل الرسالة الحقيقية للجينة الانانية. واليوم، يعتبر الكثير من علماء التطور، ان لم يكن غالبيتهم، مقتنعين بأن نظرية داروين الكبرى تفهم بأفضل الصور على مستوى الجينات. وهناك عدد متنام من العلماء يتحقق من مضامين فكرة داوكنز الرائعة المتعلقة بالتقليد، الذي يرث الانسان من خلاله كل شيء من الرهاب وحتى المعتقدات الدينية. وبصياغة الاستعارة الخاصة بالجينة الانانية، يكون داوكنز نفسه قد اطلق مورثات ثقافية على العالم. ومن المثير للمفارقة ان هذه المورثات يبدو مقدراً لها ان تسبب احباطاً غير محدود لمكتشفها. ضرار عمير