الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 لا يكتسب الأديب والكاتب الدكتور نهاد شريف مكانته الأدبية باعتباره رائد أدب الخيال العلمى فى مصر والوطن العربى وحسب بل لتحقيق بعض التنبؤات العلمية التى كتب عنها ففى روايته الأولى «قاهر الزمان» تنبأ بالتوصل إلى إمكانية تجميد الانسان الحى لفترة من الزمن وهو ما يبحث العلماء فى كيفية إنجازه الان وخاصه تجاه الانسان المريض حتى يتم اكتشاف الدواء له ، وكما تنبأ نهاد شريف فى روايته الثانية «سينما السنتر فينا» باختراع آله تصل بالمخ وعن طريق الموجات الكهرومغناطسية يرى الانسان ذكرياته القديمة وهو ما كشف عنه العلماء حيث لكل إنسان ذاكرة خاصه به لا تمحى تحمل ذكرياته منذ الطفولة وحتى الآن. والدكتور نهاد شريف له العديد من الراويات الأخرى منها «الذى تحدى الإعصار»، «امنعوا هذه النهاية»، «ملكة ملوك الدنيا» و«جريمة تحت القاع» وغيرها من الأعمال التى كرست مكانته كرائد لأدب الخيال العلمى. عن أدب الخيال العلمى وكيفية الاستفادة منه،وعلاقته بالتنبؤات العلمية التى تتحقق فكرة تلو الأخرى كان للبيان هذا الحوار مع الدكتور نهاد شريف. ـ كيف بدأ مشوارك مع أدب الخيال العلمى؟ البداية تعود منذ نشأتى الأولى حيث المؤثرات المحيطة والمكونات الأولى ومؤثرات من الأصدقاء ومؤثرات مرضية هى التى جعلتنى فى النهاية كاتب خيال علمى فأنا لم أختار هذا المجال الذى كان جديدا حينذاك ولكن الظروف هى التى قادتنى إلى هذا الاتجاه وشكلت الطريق أمامى. فأولا كانت الأسرة حيث نشأت فى أسرة تتسم بالهدوء وتحب الفن وحريصة على اقتناء لوحات الفن التشكيلى للعديد من الرسامين فوالدى كان فنانا تشكيليا ولديه مرسم فى حلوان وغالبا ما يعمل بورتريهات ومناظر طبيعية وكان دائما يصطحبنى معه حتى فى سفراته للخارج.بالإضافة الى عمى الذى كان خريج حقوق وكان محامياً لكنه كان عاشق للزهور وكانت لديه حديقة صغيرة تمتليء بالزهور التى مراراً ما حصل بها على جائزة أصغر حديقة مزهرة فى مصر. وكان أبى وأعمامى لديهم أصدقاء من الشعراء والمثقفين ورجال الدين وكانوا يجتمعون عندنا فى الصالون وكنت أجلس معهم كل مساء أسمع الحوار السخى هذا بالإضافة الى جدى لوالدى كان لديه مكتبة مكونة من قاعتين وكانت المكتبة تضم نوعين من الكتب الجانب الأول لكتب الدين والقانون والجانب الآخر كتب في مجال العلم والعلوم رغم انه كان عضوا في مجلس النواب وليسه له علاقة مباشرة بالعلم الا انه كان يعشقه. وكان لأسباب تخص التاريخ المرضى للعائلة التي كانت تعاني من بعض مشاكل فى الكلى بشكل وراثى عقدت العزم على أن أصبح طبيب العائلة وأن ألتحق بكلية الطب فوضعت أوراقى على أن أدخل قسماً علمياً وبعدها أصبت بالتهاب رئوى حاد ولم يكن العلاج متطورا كما هو الآن فجلست للعلاج شهراس كاملاس حتى شفيت وفوجئت بقرار والدى بعدم دخولى كلية علمية لطول سنين دراساتها وأن أختصر دراستى وبسبب المرض منعت من ممارسة أى نشاط بدنى وكان على أن أجلس فى البيت وقتاس طويلاس فلجأت لمكتبة جدى التي كنت أمكث بها وقتاً طويلاً بين كتب الخيال العلمى وأسرت بها وقرأت أمهات كتب الخيال العلمى مثل إله الزمن والرجل الخفى ورحلة إلى باطن الأرض باللغات الثلاث وكذلك مشاهدة أفلام الخيال العلمى على شرائط وبدأت أول خطوة كتابه الخيال العلمى وعندما التحقت بالجامعة عملت فى مجال الصحافة وتعرفت على الأستاذ صلاح جلال المحرر العلمى للأخبار وكتبت معه فى نفس الصفحة فوجدت أن أسلوبى ليس أسلوب صحفى بل أسلوب قاص فقال لى لماذا لا تكتب قصة علمية أفضل فالصحافة تريد خبراً سريعاً لاوصفاً وأنت لديك طريقة جيدة فى توصيل المعلومة العلمية للقراء لماذا لا تستغل ذلك وبالفعل كتبت «قاهر الزمن «ولكنى لم أعرضها على أحد سوى الأستاذ يوسف الشارونى. وهوالذى أخذ قصتى الأولى قاهر الزمان بعد أن قرأها وأعجبته إلى نادى القصة حيث فازت بالمركز الأول وعرفت بعد ذلك ككاتب لقصص الخيال العلمى. مقومات ـ كيف ترى مقومات كاتب الخيال العلمى ؟ أى كاتب لابد أن يكون لدية الموهبة أولا وخيال واسع ثانيا ،أما كاتب الخيال العلمى لابد أن يكون لديه بالإضافة للموهبة الخيال الجامح وهذا ما ليس موجوداً عند الآخرين فى خيالهم العادى وهذا أيضا ساعدنى فى الفترة التى عزلت فيها بعيداً عن الناس فأطلق العنان لخيالى وأنا وحدى. ـ كيف ترى الاستفادة من قراءة قصص الخيال العلمى؟ إيذاك أو سوف الكاتب الروسى المولد الأمريكى الجنسية له كتاب ليس رواية قال فى هذا الموضوع لو أن 100 شاب قرأ قصص الخيال العلمى فإن نصفهم سوف يتجه إلى الاهتمام بالخيال العلمى وبعد ذلك سوف تجد 25 منهم بدؤوا التخصص فى العلوم والبروز فيها وفى النهاية ستجد من ال100 شاب واحد أصبح عالما وفى الأخر كما يقول الكاتب فهذا مكسب أليس هذا مكسباًاً لنا أيضا وأنا كنت أحد قراء هذا المجال الذى بهرنى وجعلنى أؤمن جدا بأهمية العلم والخيال العلمى. كما أن أدب الخيال العلمى ليس سهلاس فلا يمتلك كاتب هذا الأدب الرفاهية التى لابد أن تتوفر للكاتب العادى من هدوء ووقت مناسب للكتابة بل أدب الخيال العلمى فى حاجة إلى بحث دائم فى مجالات كثيرة مثل الطب والهندسة الوراثية والإنترنت والفلك فمثلا من أجل كتابه روايتى قاهر الزمن قرأت كى أنتهى منها مالا يقل عن 300 كتاب حتى أصل إلى حقيقة التجميد فلابد من الاشتغال بالدراسات والأبحاث فأقدر من يكتب فى الخيال العلمى هو الباحث فى التاريخ لأن التاريخ هو ملخص الحضارة وهو تاريخ نمو العلم ونمو التقنيات وما شابه فالإنسان الأول عندما بدأ فى تكوين الأدوات البدائية كان تفكيره علمياس وكذلك القراءة فى الأساطير والرعد والبرق فالتفكير العلمي موجود منذ خلق الإنسان وهو الذى يقوده للأمام ،يفكر ويجد أن هناك خطأ فيما وصل إليه فيذهب بخياله ويصحح ويصحح. لأن قصة العلم هى قصة الحضارة. ـ كيف تختار أفكار كتاباتك ؟ أفكار كتابتى تأتى من حيث لا أدرى ربما من فيلم من حوار من مناقشة أشترك فيها أو من معلومة أقرأها فلها مصادر كثيرة ولكنى لاحظت شيئا غريبا أننى عندما أكون جالسا فى مكان متحرك مثل السيارة أو الطائرة أو باخرة أجد الأفكار تتوالى وعقلى يمتلئ بها ولذلك دائما معى نوته صغيرة وقلم أسجل الأفكار حتى لا أنساها ،وكل فكرة أسجلها على الورق ولكنى لا أعرف متى أعمل بها أحيانا يظل الخاطر أو الفكرة سنين وأحيانا أجد الرغبة فى أن أنتهى منها . ـ الخيال العلمى تصور وتنبأ بتطورات العلم فهل هناك علاقة بين الخيال العلمى والتنجيم؟ الفارق كبير بين ما يتصوره ويصل إلى تفسيره وافتراضه كاتب الخيال العلمى وبين ما يأتى به ويحدده العراف أو المنجم فإذا كانت بضاعة العراف أو المنجم التخمين وامتهان الإيحاء والتأثير فان رؤية العلم تختلف عن ذلك كلية وتسمو دائما بمقاصدها وأهدافها فمجمل افتراضات وتوقعات العالم تبنى على أسس وطيدة من مادة العلم وبحوثه الشاقة بما تشمل عليه من فحص واختبار وتجريب ودراسة وقياس حتى الوصول إلى النهايات المنطقية بمعنى أن نبدأ من المتاح لدينا من واقع علمى ثابت ثم نقدم وننطلق وراء الإثارة والخطى المنتظرة والتى تقوم على ذات الحقائق العلمية المعروفة سابقا فالعلم ينبع من نواميس الكون وسننه وينضبط مع قوانينه فى الكتابة والتخمين لا يعتمد الا على فراسة العراف ومدى حنكته ودهائه فى التلاعب بعقول ضحاياه. ـ هل هناك نبوءات علمية تحققت بعدما كتبت فى أدب الخيال العلمى؟ الخيال العلمى هو المستقبل القريب فقد تفاجئنا النبوءات العلمية وتتحقق بشكل من الأشكال ويكون لها وقعها على البشر وعمق ما تحدثه من تغيير وتشكيل وتطوير سواء فى المستقبل القريب أو البعيد ،ولعل من هذه النبوءات فى واقعنا الحياتى الآن هو إندلاع ثلاث ثورات كبرى طالما افاض العلماء بتصريحاتهم حولها وقد تحققت ثورتان هما الثورة النووية وثورة الحاسبات وبقيت الثورة الثالثة التى نطل على أعتابها الان وهى ثورة الذكاء الاصطناعى التى أوجدت لنا الربوت والعقل الالكترونى وما شابهها وهذه تحدث بدورها تطورات متلاحقة فى التقنيات وقد تدفع بالذكاء البشرى خطوات مهولة للأمام، وثمة ثورة رابعة أشد بأسا وهولا من الثورات الثلاث هى فى الطريق الينا وهى ثورة الموروثات الجينية أو الخلايا الوراثية والتى يأمل الكثير من العلماء أن يتم عن طريقها التحكم فى الجنس البشرى بعد أن أمكن التحكم فى الحيوان والنبات والواقع أن الإنسان قد خطا بأصرار ووعى خطوات جبارة نحو تطوير وتغيير بيئته وحياته وحتى صفات جسده وكل هذا كان قديما نبوءات أو خيال علمى . القاهرة ـ محمد الصادق