الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 ورد في المعجم: «نقد نقداً وتنقاداً الدراهم وغيرها: ميّزها ونظرها ليعرف جيّدها من رديئها. ونقد الكلام: أظهر ما فيه من العيوب والمحاسن..». ومن هنا، فلقد حرص كثير من نقادنا الكبار على جلاء مفهوم النقد في أذهان القرّاء، وتطهيره من الجهل والغوغائية، ومن التعصب والنفاق، وأهواء النفوس. فالنقد الجيد هو خلق جيد، كذلك فإن النقد الابداعي الجيد، انما يضيف الى النص المنقود الشيء الكثير، فهو يخلقه خلقاً، وذلك بفضل ما يضمه كثير من الكتب من قدرة فائقة على التنوير والإيحاء! إن المهمة المنوطة بالناقد بله الأديب، وفي كل عصر ومصر هي في غاية البساطة: أن يكتشف من دون أية مساومة ما لم يكتشف بعد! إن القاعدة الصينية المأثورة: «دع الأزهار كلها تتفتح»، إنما تفتح المجال لمبدعي الكلمة النظيفة، والجمال الفني الصادق في مجتمعنا للتعبير عن تجاربهم الذاتية التي يعانونها، مهما تكن وجهتها، ومهما يكن مستواها شريطة أن تتضمن الصدق النفسي والروحي في المقام الأول، فالأدب كما نعلم هو أعمق من الصدق، بل هو خلق للصدق كما يُشاع.. فالصدق بحسب رأي الناقد العربي الكبير «محمد مندور»: «ليس تصويراً للواقع، ولا تسقطاً لأصداء الحياة، ولكنه الصدق النفسي أولاً». فنحن حقاً، وفي واقعنا المعيش، بأمسّ الحاجة إلى أدب إنساني، صادق، مخلص، لأن نفوسنا في ظمأ إليه. وهذا ما يتردد على مسامع الشباب من الجنسين، الذين يتابعون بشغف وانضباط فعاليات وورش «نادي القصة» الذي ترعاه اللجنة الثقافية في اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، حتى يتعلم هؤلاء الشباب، وهؤلاء الفتيات، ان الكلام الصاعد من القلب، هابط أبداً في القلب، كما عليهم أن يتعلموا وهم في خطواتهم الأولية في هذا الميدان الصعب ـ الجميل «القصة»، أن يؤمنوا بالصدق في كتاباتهم، وعليهم أن يفلتوا من ربقة الصنعة والبديعيات إلى رحابة الصدق وجمالياته.. يقول مندور في هذا الصدد: «.. أنا لن آمل تكرار ما سبق ان قلته عن وجوب التواضع والإخلاص، وصدور الأديب عن طبعه، وترك الطنطنة إلى الهمس الصادق..». ويضيف: «إن حقائق النقد تجعل من الأدب الجميل الموحي، قوة اجتماعية بالغة الخطورة، قادرة على تغذية الحياة، وتصحيح الأوراق، وتقوية الإحساس بالجمال، وتحصين الضمائر، وتنقيتها من العبثية والانحلال والظلم..». ولعلّ الناقد والأديب الكبير ميخائيل نعيمة مصيب في أن الإنسان يخلق ناقداً، بما أودعت الطبيعة في كيانه من هذه الصفات الدقيقة التي يتطلبها عمله في النقد، إذ ينبغي ان تصقل مواهب الناقد، وتُحمى من الميل والهوء والتعجل وهي أمراض إنسانية كثيراً ما فتكت بمقاييسنا وموازيننا وأحكامنا النقدية. إن النقد.. إذا كنا مؤمنين بدوره في تصحيح مقاييس الحياة كلها ـ ليس تجارة، وليس حوكاً لحلل الثناء الرخيص، كما يقول نعيمة في «غرباله». لقد أصل نعيمة في كتابه «الغربال» مبدأ من المبادئ الأدبية ـ كما فعل مندور ـ وهو مبدأ الصدق الذي «يقضي على التزوير الفاضح، والتهويمات الكاذبة، واللفظية، والصنعة اللغوية..». كما طالب في كتابه وآرائه أن يتمتع الناقد بـ «الإخلاص في النية، والمحبة لمهنته، والغيرة على موضوعه، ودقة الذوق، ودقة الشعور، وتيقظ الفكر، وما أوتيه بعد ذلك من مقدرة البيان، لتنفيذ ما يقوله إلى عقل القارئ وقلبه». إن محور الأدب هو الإنسان في المقام الأول، ولذا فإذا أراد الأديب أن يصل إلى قلوب الجماهير وعقولهم عليه أن يشحن أدبه من قلبه ولبّه، وأن يكون صادقاً بادئ ذي بدء مع نفسه وروحه وقلمه لا أن يكون أدبه سيركاً ثقافياً عابراً. لا يغني ولا يسمن، أو أن يكون برامج تلفازية لا تستحق السهر، وإضاعة الوقت هدراً! هناك في حياتنا، وفي أعماقنا ما هو بسيط وشاق وموح وغامض ومعقد ورائع، فكيف نخلقه خلقاً أدبياً، جميلاً؟ وفي الإجابة، إن الخلق الأدبي ليس خلقاً عقلياً البتّة، بل هو خلق حواس، بعبارات حسية، بعيداً عن الأسلوب العقلي، الجاف، والذي تكثر فيه عادة الألفاظ المجردة، والمعاني المجردة، الجاهزة، بل وتقتصر فيه الصور والإيحاءات والأخيلة على المجازات الباهتة، الباردة، تلك التي عفا عليها الزمن، وكثرة الاستعمال، فضاعت أصولها الحسيّة، والجمالية، واضمحل رواؤها. ومن هنا جاء الحرص على الأصالة، والصدق الفني، وامتلاك القدرة على التأثير في الآخر، وعلى أن يكون أدبنا إحساسا مرهفا في الدرجة الأولى لا أدب تجريد فكري ميت، وذلك حتى تنبض فيه الحياة، من حيث الأسلوب والصياغة والتناول، وبذلك ينمو الإحساس بالحياة، ونبضها ورونقها، ومعناها. مقطع القول: إن الكلمة في أيامها الراهنة فقدت مضمونها أو جدواها، في هذا الزمن الصعب المتخم بالأحداث السياسية والحروب والهزائم المتلاحقة التي لا نحسد عليها. إن الأدب تحول لدى الكثيرين إلى مادة استهلاكية رخيصة كالتلفاز والموبايل والفيديو والسيارة، ثم لا نقد من دون إبداع لأنه يأتي تالياً! ثم ما فائدة الإبداع إذا لم يستعمله الناس كجزء نابع من عاداتهم، ومن خلقهم، ومن هويتهم وطقوسهم. إن انحسار الكتابات الإبداعية المتميزة في الراهن من أيامنا وأعمارنا يعود سببه ـ وقد اكون مجانبا الصواب ـ الى حركية العصر الحدث المعولم، التي تتميز بالدعوة الى الاستجابة للجديد، المعاصر، المعيش، والاقلاع عن جماليات الادب، والاحلام الرومانسية، المبنية على الوهم، والأمنيات والتغني بالأمجاد السالفة، أوالنوح على الاطلال. ومن هنا فغياب النقد معناه بصورة من الصور غياب الكاتب المبدع، كما ان غياب النقد، كما يقول يوسف ابو لوز «نوع من عطالة او بطالة، فكرية، بمعنى غياب السؤال والسجال والرؤية والتأمل في أي مكان في العالم..». وجيه حسن