الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 اذا كان الفكر الفلسفي نتاج العقل المحض النزاع الى التجريد فإن الفكر الادبي لا يقطع صلته بالمجرد، لكنه يقدم عليه المحسوس، لانه لا يرمي الى الاقناع وحده، بل يرمي الى الاقناع والامتاع، الفكر الفلسفي كله او جله موضوعي بحت، يأبى ان تخالطه الاحاسيس الشخصية، والفكر الادبي جله لا كله ذاتي، لا يستطيع ان يتجرد من سمات صاحبه، ولو تكلف التجرد. انه يضمخ حقائق العقل بعطر المشاعر، ويوقع حركة المنطق على أوتار القلب، ولولا هذا التضميخ العاطفي، وهذا التوقيع الموسيقي لانقلب الأدب الى تاريخ وعلم اجتماع. والمصدر الذي يصدر عنه الأديب في كل ما يبدع لا يمكن ان يكون دقيق المعايير، ثابت المواقف، منصفاً في الحكم على الاشياء، مخلصاً لما يعتقد انه الحق والفضيلة، خصماً لما يظن انه الباطل والرذيلة، لان ما يصنعه صنيعة ذوق لا منطق، وفي الاذواق من الاختلاف والافتراق مثل ما فيها، واكثر مما فيها من الائتلاف والاتفاق. ولما كان النقد آخذاً من الفكرين الفلسفي والأدبي بأكثر من سبب، متقلباً بين القطبين لأكثر من غاية، فإن احكامه لا يمكن ان تخضع للمنطق مهما يحاول الناقد التزام الموضوعية، ومجانبة الحيف، والتجرد من الهوى. لقد شهدت الحركة النقدية في العصر الحديث عدداً من المذاهب والمدارس ينقد بعضها بعضاً، او ينقض بعضها بعضاً، لكن كل هذه المذاهب، على اختلاف اتجاهاتها، لم تستطع ان تخلص للحق، او ان تصدر عنه وتأتمر بأمره ولو ان الفكر النقدي كان منبعثاً من العقل رامياً الى العدل، لكان احد هذه المذاهب قد توصل الى منهج سليم، يمحو انحراف الخلاف، ويضع بين ايدي النقاد ميزاناً دقيقاً، لا تطفيف فيه، وحينئذ ينقلب النقد الى ما يشبه معادلات الرياضيات، وهيهات! وليس لك ان تتهم النقد العربي الحديث وحده بالزيغ والتقلب، والانقياد للعواطف، فالنقد الغربي الحديث لا يبرأ من ذلك كله، ولا يتزيا بزي العقل المحض، وربما كانت مذاهبه المتعاقبة اكثر عدداً وربما كانت اعمار هذه المذاهب اقصر امداً لسرعة التطور في الحياة الفكرية الغربية. ففي فرنسا وحدها ظهرت في الثلث الاخير من القرن العشرين مذاهب نقدية كثيرة، ابرزها النقد الجديد، والنقد اللساني، والنقد البنيوي، والنقد التفكيكي، اما اذا سمحت لنفسك بأن تتوسع في الزمان، فتعود الى ما قبل هذا التاريخ وان تتمدد في المكان، فتنساح في اقطار اوروبا الاخرى فإنك واجد مذاهب نقدية كثيرة، بعضها مذهبي سياسي كالنقد الماركسي وما طاف به من شكلانية وواقعية جديدة، وبعضها نفسي كالذي جاءت به دراسات فرويد، وبعضها لغوي نجم عن تطور العلوم اللسانية، واسهم في انشائه فلاسفة اللغة واللسانيون المحدثون، وبعضها وجودي ازدهر في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين، وبعضها اسطوري اعتمد على دراسة الخرافات الموروثة التي تؤثر في وعي الشعوب بما يسمى (اللاوعي الجمعي)، ومبتكر هذا المذهب كارل غوستاف يونغ. ان هذه المذاهب النقدية كلها، وان احتدم الصراع بين اصحابها، وادعى الصواب كل واحد من اربابها اضعف من ان تقدم تفسيراً يجمع النقاد على سلامته أفيعني ذلك الضعف عجز النقد وتخلفه عن الأدب، ام يعني ان بعد الأدب عن المنطق أبعد النقد عنه، وان اضطراب النظرية الادبية تمخض عن اضطراب في النقد، وان ما يقع فيه الادب والنقد من الفوضى سوف يستمر لأن الفوضى خصيصة جوهرية من خصائص الأدب لا شية من الشيات الطارئة عليه؟ قد يخيل اليك ان اضطراب النظرية الادبية الغربية، وخروجها من أزمة، ودخولها في اخرى، وان تعرضها للتحوير والتغيير، ووقوعها في دائرة الحذف والاضافة، قد يخيل اليك ان ذلك كله ناجم عما عرف به الغرب من حيوية في التفكير، وحرية في الحوار، وتفلت من الأنظمة السياسية، ورفض لسلطان الرقابة ومثل هذا التصور يشفع لك فيه ما يعانيه الأديب والناقد العربيان من صمت وكبت، ومنع وقمع، وتوجيه وتسفيه، وتشذيب لفكره، وكبح لجموحه، لئلا يتعب اصحاب القرار باللدد في الحوار، ويزعج حراس النظام بالجارح من الكلام. قد يكون هذا التصور مقبولاً في حدود ضيقة، لا تضع يد القارئ على العوامل الحقيقية لفوضى النظرية الادبية، لأن هذا التصور منسوج من خيوط متعارضة، لحمتها ايجابية الفكر الغربي المتحرر، وسداها عنكبوت الفكر العربي المقيد، والمفروض ان تكون العلة متصلة بالمعلول اتصالاً عضوياً، لا ملصقة به الصاقاً الحاقياً. ان العلة الحقيقية لا تنبع من الحرية الغربية ولا من العبودية الشرقية وانما تنبع من طبيعة الادب وطباع الاديب، فالأديب منذ عصور موغلة في القدم يرفض ان يدين بالقوانين، ويضيق بالتزام النظام، ويثور على الجمود والقيود، وعلى الاتزار بإزار المنطق الخانق: كلفتمونا حدود منطقكم والشعر يغني عن صدقه كذبه ولم يكن ذو القروح يلهج بالمن طق، ما نوعه، وما سببه العلة الحقيقية كامنة في طبيعة الأدب، فهذا النشاط الفكري مهر جامح شامس، يعشق الفوضى، ويحب ان يرتاد البعيد والمجهول، وهو صقر جارح ثائر، اذا ألصق احد جناحيه بالواقع انفصل عنه بالآخر ليظل متنمراً للتحويم والارتقاء، والسمو بالحياة من مستواها المعيش الى المستوى الذي يحلم الأديب بتحقيقه. وهذا النمط من السمو لا يتمثل فقط في جمهورية أفلاطون المثالي، بل يتمثل كذلك في آراء أرسطو الواقعي، فالمأساة عنده تلتصق من جانب بالواقع لتستمد موضوعها منه وترقى من جانب آخر بهذا الواقع لانها ترمي الى رفع البشر الى مستوى ارقى وأنقى، وافضل وأكمل عن طريق التطهير. من هذا التصور الرافض للواقع، التألق الى ما هو خير منه، تنبع ثورة الأدب وفوضاه، ورفضه لما تواضع عليه الناس، ولما كان النقد ابن الأدب فمن المتوقع ان يرث الوليد فوضى الوالد وثورته وحسبك دليلاً على هذه الوراثة، انك لو سألت عدداً من النقاد ان يعرّفوا لك الادب او الشعر او عنصراً من عناصرهما لأتوك بعشرات التعريفات لا بتعريف واحد، وبمئات التصورات لا بتصور واحد. وربما خطر للانسان الشرقي ان سيطرة النزعة العلمية في الغرب المتقدم في الصناعة قادرة على تحويل النقد من الفوضى الى النظام، ومن تباين المذاهب المتدابرة الى الاجماع على مذهب واحد، وهذا الخطور ان تراءى لك فهو وهم خادع، تدحضه المذاهب النقدية في احدث صورها، اي في الصورة التي يرسمها المذهب التفكيكي، وحسبك ان تقرأ فقرات قصيرة مما كتبه كهنة التفكيك واحباره لتدرك ان النقد على ايدي هؤلاء تحول الى حالة من الفوضى الشاملة قال (فينسنت ليتش): «ان التفكيكية المعاصرة باعتبارها صيغة لنظرية النص والتحليل تخرب كل شيء في التقاليد تقريباً، وتشكك في الافكار الموروثة عن العلاقة واللغة والنص والسياق والمؤلف والقارئ ودور التاريخ وعملية التفسير واشكال الكتابة القديمة». وتحدث ليتش عن ناقد تفكيكي آخر ابرع من سواه في الهدم والفوضى، اذ بلغ القمة وأوفى على الغاية، فقال: «يقوم (هيليس ميللر) بالتقليل من شأن الافكار والمعتقدات التقليدية حول اللغة والادب والحقيقة والمعنى والوعي والتفسير ويترتب على ذلك قيامه بدور المخرب الذي لا يكل، دور الساحر العدمي الذي يرقص كالشيطان فوق اشلاء التقاليد الغربية المتناثرة. وسرعان ما يتحول كل شيء يمسه الى شيء ممزق.. انه ينطلق بلا قيود راقصاً يلقي بتعويذاته، مدمراً كل شيء انه يبدو كساحر في ثياب ثور تفكيكي، انطلق بلا قيد داخل حانوت العاديات للتقاليد الغربية». من هاتين الفقرتين، وامثالهما من النصوص النقدية التفكيكية يتضح لك ان النزعة العلمية الغربية في ميدان الصناعة الدقيقة، وفي تصميم الاجهزة المعقدة لم تنتقل الى ميدان النقد، بل انقلبت الى نقيض ينقض العلم، ويخرب الدقة، ويحطم الاجهزة المنجزة، ويشجع التيار المناوئ للنظام المعادي للعقل، المغرم بالتحطيم، فكأن العقل الاوروبي الذي برع في دراسة الطبيعة، وقاس كل شيء من طول الجرثومة والعرض، الى حجم المريخ وبعده عن الارض، مل النظام والارقام، وسئم الترتيب والتبويب، فانفجر قلبه، وهذا الانفجار دمر صرح النقد، ودفنه في ركام الفوضى. افنفهم من هذا التناقض بين عقل الغرب وقلبه انه كلما ازداد العلم التجريبي منهجية وتنظيماً ازداد النقد الادبي همجية وتحطيماً؟ وان الانتقال من النقيض الى النقيض ضرب من التعويض؟ نعم، والله أعلم!!