الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 بالرغم من التنوع العرقي والثقافي الذي يميز القارة الافريقية، الا ان هناك شيئاً واحداً يجمعها ويندر عدم وجوده في اي من الاقطار التي تكونها. انه القناع الافريقي، الذي نجده في اقصى شمال وغرب وجنوب وشرق القارة.. وكل بلد له الاقنعة التي تحمل مضامين خاصة وتؤدي وظائف اجتماعية معينة وتستخدم في مناسبات طقوسية خاصة. وما من شيء يضاهي سحر الاقنعة الافريقية سوى تلك القصص والحكايات التي تنسج حولها، وما من فن افريقي آخر لقى مثل الرواج الذي تلقاه هذه الاقنعة في المجتمعات الغربية، خاصة الدول التي كانت تستعمر اجزاء كبيرة منها. ومع اهمية النواحي الجمالية للاقنعة والاشكال التي تؤكد المهارات الفنية العالية التي يتمتع بها صانعوها الذين يمكن تصنيفهم ضمن فئة الفنانين البدائيين، اي اولئك الذين يعتمدون على الفطرة فقط، وليس على دراسات اكاديمية متخصصة، الا ان هناك بعض الجوانب الاخرى التي تضيف لسحر الاقنعة الافريقية التي تعني لهؤلاء الفنانين اكثر بكثير من الناحية الجمالية فقط، فهي عندهم الرابط بين الانسان وعالم الارواح، والناقل للافكار والقوة التي تدعم وتقوي الترابط الاجتماعي، والرمز الخالد للمعتقدات الافريقية. ويبدأ الاحتفاء بالقناع منذ اللحظة التي يتم فيها اختيار نوعية الخشب حيث يتم تحديد عدة نوعيات استرشاداً ببعض المعتقدات الروحانية حيث يعتقد ان الاشجار ما هي الا كائنات حية لها روح وعليه من الافضل اختيار مصدر للحياة وان هذه الروح تنتقل من مخلوق حي الى آخر. وقبل ان يبدأ الفنان عملية نحت القناع ينبغي عليه استشارة المرشد الروحي ويقيم طقوس تطهير الذات ويقدم القرابين تقرباً الى روح الشجرة. وبعد ان يتم قطع الشجرة يتناول الفنان بعضاً من السائل الذي يجري في اوعية الشجرة. حاملا الماء والغذاء كي يتوحد معها ويتركها ليوم او يومين حتى تجد روح الشجرة مسكناً جديداً لها وتنقل شيئاً منها الى الفنان كي يتمكن من نحت قناع له قوة خارقة. وتختلف اشكال واحجام الاقنعة باختلاف الوظائف التي تؤديها، وقد يكون القناع على هيئة وجه إنسان، او مزيجاً من الوجوه والاشكال المتداخلة، او رأساً لحيوان تضاف اليه بعض اللمسات المخيفة، وكلما كان القناع جذاباً وغريباً في شكله، ازدادت ثقة الافارقة في مهارة الفنان. والقناع «كيبلي» من الاقنعة التي يكن لها افراد قبيلة باسونجي في زائير احتراماً يصل الى حد التقديس، ويعتقدون انه يجسد قوة سماوية فارقة ويرمز الى الخصوبة والفحولة ومن يضعه على وجهه يجب ان يكون من الشخصيات المرموقة في القبيلة، وحين تضع احدى الشخصيات هذا القناع في اي مناسبة اجتماعية او احتفال طقسي يحيط به افراد القبيلة وهم يتضرعون لروح كيبلي طالبين زيادة النسل. ويعتقد افراد القبيلة ان هذا القناع الذي يعود تاريخه لنحو مئة عام، من نحت الزعيم باتو الذي كان يأمر النساء بالاكثار من النسل. وهناك القناع «كاتاجا» الضخم الذي تقدسه قبيلة دوجون التي تسكن في الجزء الشمالي الغربي من جمهورية مالي والذي تم نحته من خشب اشجار الابنوس السوداء والذي يستخدمه افراد القبيلة في الكثير من الطقوس ويتركونه في العراء بعد انتهاء تلك الطقوس حتى يتكسر بفعل اشعة الشمس والامطار، اعتقاداً منهم بأن الارواح الشريرة التي قاموا بطردها تهرب من القرية وتسكن هذا القناع. ومن الاقنعة ما لا يوضع على الوجه مباشرة بل يحمل من مقبض صغير ويوضع امام الوجه حتى يبدو وكأنه جزء من الزي او غطاء للوجه، وهناك القناع القبعة الذي يغطي الرأس، ويمكن ان يكون ذا بعدين او ثلاثة ابعاد، وقد يتم نحته في بعض الحالات من جذع شجرة بكامله ليغطي الرأس حتى يلامس الكتفين، وهناك غطاء الرأس الذي يضعه الراقص او الراقصة على الرأس ليتصل برداء يغطي الجسم بأكمله من الرأس الى القدم وينظر الراقص من ثقب صغير، ولهذا القناع تأثير خاص اذ يجعل الراقص يبدو وكأنه اكثر طولاً من البشر الآخرين الامر الذي يوحي بأنه روح خارقة وغير طبيعية. ولايزال القناع يلعب دوراً اجتماعياً بارزاً في قارة افريقيا ويكاد يتحول الى اداة توحد شعوب تلك القارة التي نهب المستعمرون ثرواتها وتركوا اهلها يتشرنمون وينزوون حتى لا يكاد يسمع لهم صوت. بالاضافة الى هذا الدور الاجتماعي يكتسب القناع مكانة خاصة في نفوس القبائل الافريقية لانه رمز القوة والجبروت عند البعض ورمز الرخاء والرفاه عند البعض الآخر ورمز الخصوبة والفحولة والشجاعة عند آخرين. مأمون الباقر