الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 لم تخل محاضرة الدكتور صلاح نيازي رئيس تحرير مجلة «الاغتراب» التي استضافتها ندوة الثقافة والعلوم بدبي وقدمها أمين سرها بلال البدور، من غمز ولمز الحضور الذي شعر ان ضيف هذه المحاضرة كان متجنياً نوعاً ما على الحالة الابداعية العربية عموماً والعراقية في الداخل بصورة خاصة. وربما يعود ذلك إلى ان نيازي تكلم بعقلية المهاجر المنسجم مع مجتمعه الجديد «بريطانيا» التي يعيش فيها منذ الستينيات، وبالتالي متناغماً مع أسسه ومبادئه وسياقاته الابداعية والأمر الذي يؤكد ذلك قوله خلال المحاضرة انه من الجيل الذي اختار الهجرة الى أوروبا لايمانه بالقيم الأوروبية، ولذلك عندما سنحت فرصة الهجرة لم يقصدوا أي بلد عربي، وقد تكون ردة فعل الجمهور في مكانها نوعاً ما، لأنه لن يستطيع التفاعل مع جملة الأفكار المطروحة فهو وبأحسن الأحوال يعرف أوروبا عبر القراءات أو كسائح يلتقط الصور أمام المتاحف والحدائق العامة. ولعل تركيز صلاح نيازي على مسألة النثر وتطوره في الأدب الانجليزي منطقية وواقعية لكنه لم يكن مصيباً في عملية المقارنة التي كانت مجحفة نوعاً ما بحق المبدعين العراقيين المقيمين داخل العراق والذين لا يستطيعون بأي شكل من الأشكال استخدام ذات الأدوات الادبية التي يستخدمها قرينه المهاجر والمستقر. وكيف للمبدع العراقي الذي يعيش أزمة حصار وحرب ووجود أن يجلس ليدون أنواع الزهور والنباتات في أساليب تأملية وهو العاجز عن تأمل أولاده يكبرون دون ان تودي بهم الحياة القاسية نحو مدارات الفشل والانحراف والموت. لكن النقطة الأساسية التي نوه اليها المحاضر وفاتت بعض المستائين انه استبقها حديثه بالاشارة الى ان ما يقوله لا علاقة له بالنوازع والميول القومية والوطنية بل هي حالة قرائية وتحليلية لحالة الاغتراب الأدبي. وكان الدكتور صلاح نيازي قد استهل محاضرته التي جاءت تحت عنوان «أدب المهجر الحديث» بالاشارة الى وجود تفريق بين أدب المهجر الذي يطلق على مجموعة الأدباء الذين هاجروا من أقطار عربية كسوريا ولبنان وفلسطين لأسباب اقتصادية في الغالب وامتاز هؤلاء بالشعر أكثر من النثر وبين مفهوم الاغتراب الجديد الذي تميز رواده بالنثر، إلى جانب ان المغتربين الجدد وخاصة العراقيين وعددهم 250 ألفاً في بريطانيا وحدها هاجروا لأسباب سياسية، لكن من هو المغترب وما الفرق بينه وبين الغريب؟ فحينما سافر الشاعر العراقي عبدالمحسن الكاظمي الى مصر هرباً. هل يعتبر هذا الهروب اغتراباً أم غربة؟ وحينما رحل المتنبي إلى ايران هل يعتبر غريباً أو مغتربا؟ ان مصطلح الاغتراب والمغترب هو عكس ما يقصد به وفق التعريفات الاستشراقية، فنحن ـ والحديث لنيازي ـ ذهبنا إلى أوروبا لطلب القيم الغربية، وحينما هييء لنا السفر الى الخارج لم نسافر الى الاتحاد السوفييتي، ولم نذهب إلى بلدان خليجية، بل كان الخيار الوحيد هو بريطانيا لسبب بسيط هو ان القيم هناك أفضل من قيمنا، ولذلك فإن أحد شروط الاغتراب الأساسية هو التفتيش عن قيم جديدة، فقد يكون الأديب والانسان بصورة عامة مغترباً داخل بلاده، وإذا اختلفت مفرداته وفهمه عن مفردات ومفاهيم مجتمعه، اغترابنا صار أصعب لأننا ارتبطنا اقتصادياً بالبلد، فما يقرره وزير المالية البريطاني هو الذي يؤثر فينا وليس وزير المالية، عربي أو عراقي، وإن كانت عواطفنا معه، ومن جهة اخرى ليس لنا مقارنة اغتراب العربي مع اغتراب الأوروبي لأنهما يعيشان في مجتمعات متشابهة ولغات وذهنيات متقاربة، أما إن نظرنا الى العقلية العراقية والانجليزية، هنا نتلمس الفرق الشاسع والكبير، الأمر الذي ينعكس في التعابير الأدبية والابداعية. وتناول المحاضر في موقع آخر من ورقته التي تضمنت بعض الأعمال الأدبية الاغترابية الأولى كروايتي «عصفور من الشرق» و«زهرة العمر» لتوفيق الحكيم ورواية «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، ورواية «تماس المدن» لنجيب المانع، ورواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال» أما بالنسبة للجيل الثاني من أدباء المهجر فهو الجيل الذي ينتمي إليها نيازي، وإذا لم يعد إلى بلده بعد فترة اغترابية بل عاش واستقر هناك. وحدد المحاضر المراحل التي مرت بها الهجرة الى أوروبا في العراق الى ثلاث: المرحلة الأولى مع وصول القوى البعثية الى السلطة في الستينيات، ثم ابان حرب الخليج الأولى، وصولاً الى حرب الخليج الثانية وغزو الكويت. وعن الفرق بين الأدب المعاصر داخل العراق وقرينه الموجود خارجه أشار نيازي عبر مجموعة من الشواهد الشعرية والنثرية ان كل المنتج الخارج من الداخل العراقي لا يرد فيه ذكر لبيئة واحدة وكل الحيوانات الموجودة صارت متوحشة الأصوات، زئير، ورعود، ومؤثرات حربية، وهي برمتها مؤشرات لما يعيشه المبدع العراقي من قمع وخوف وغياب سافر للديمقراطية، لأن هذه الأخيرة تنتج أدباً نباتياً، أما الشاعر العربي أو العراقي المهاجر فيكتب عن الغابة، لكنه لا يكتب عن نبتة بيتية، يكتب عن الصحراء، لكنه لا يستطيع البحث عن حبة رمل واحدة داخل المهجر، الأشياء الغريبة لا نحسن التعبير عنها، حتى بدر شاكر السياب لا يستطيع أن يحب ابناءه إلا إذا ابتعد عنهم، قرب المسافة البصرية هو ميزة التحضر، والبعد هو بداوة، ومن هنا عوض الغرض عن المسافات الكبيرة بالعمق. وأوضح نيازي انه في الوقت الراهن ثمة اهتمام كبير من قبل الأدباء المهاجرين بالنثر ويعود ذلك لسبب بسيط هو انهم عندما يتعلمون اللغة الانجليزية لابد وأن يستخدموا النثر ويتعلموه، والنثر الانجليزي وبدءاً من القرن التاسع عشر ومع ازدياد غنى بريطانيا كان المجتمع سيذهب الى فساد وتفسخ، ومنذ ذلك الوقت أصبحت للمقالة أهمية كبيرة على يد جون روستن الذي تأثر به بروست، ثم جاء باوند مؤلف كتاب «كيف تقرأ؟»، والآن النثر الانجليزي يحمل صفات غير موجودة في النثر العربي لأنه يحمل سمة البلد القائم على القانون والمؤسسات، فصارت جمله قائمة على اللايقينية، وامتلأت مفاتيح خطوط الرجعة المرتبطة بالجمل الاعتراضية النادرة في النثر العربي، المغترب العراقي اليوم بدأ يمتلك هذه الأدوات ويعمل بها مبتعداً عن الجمل الديكية العضلاتية التي تدحر المقابل ولا تتناقش معه. وخلص المحاضر الى ان تطوير المجتمعات لابد أن يكون ذلك عبر النثر وليس الشعر وعبر خلق انسان عربي متحضر وليس فقط متعلماً. كتب حازم سليمان:
د.صلاح نيازي محاضراً في ندوة الثقافة والعلوم بدبي: تطوير المجتمعات العربية يتحقق عبر النثر وليس الشعر
