الاربعاء 25 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 26 فبراير 2003 شهدت مدينة أوشاوا الكندية الأسبوع الماضي المؤتمر السنوي للعناية بمرض البلاهة المعروف بالبلاهة المنغولية بحضور 165 مشاركاّ ومشاركة من الأمهات والمربين والمدرسين وأهل الإختصاص في الصحة العقلية وعلم النفس، وتلاحظ أن الكثرة الساحقة كانت من النساء «143 إمرأة مقابل 22 رجلاّ»، وفي افتتاح المؤتمر ألقت رئيسته الآنسة أسترا ميلبرغ كلمة عرضت فيها تاريخ حياتها وتجربتها كمريضة تعاني من المنغولية، وكيف تغلبت على كل المصاعب في حياتها الدراسية حتى أنهت دراستها الجامعية، وذلك بالرغم من تعامل الناس معها بأشكال وطرق تختلف عن تعاملهم مع الآخرين، وكيف نجحت في أن تتكيف مع الحياة الاجتماعية عن طريق المشاركة الدائمة في الأعمال التطوعية. وأشار أحد التقارير المقدمة للمؤتمر إلى وجود 42 ألفاً من سكان كندا يعانون من مرض المنغولية المعروف بأسم «أعراض داون» تخليدأ لإسم الطبيب البريطاني جون لانغدون داون الذي كشف عن أعراض مرض المنغولية عام 1966 وتشير التقارير العلمية الطبية أن 75 بالمئة من الأطفال الذين ولدوا وهم مصابون بالمنغولية كانت أمهاتهم تحت سن الـ 35 عاماّ، وذلك لأن النساء اللواتي يحملن بعد هذه السن لا تتجاوز نسبتهم 25 بالمئة من مجموع الحوامل عادة. وحول الآلية التي يحدث بواسطتها مرض البلاهة المنغولية هي حدوث خلل في تركيبة العرى الملونة «الكروموزوم» في نوى خلايا البويضة الأنثوية أثناء عملية الإنقسام الخلوي Meiosis بعد حصول عملية التلقيح بين البويضة والحيوان المنوي، ويعرف ذلك الخلل باسم عدم الطباق في الإنقسام الخلوي مما يؤدي إلى وجود فائض في العروة الملونة الثنائية التي تحمل رقم 21 في سلسلة العرى الملونة الخلوية، فبدلاّ من وجود وحدتين من العرى الملونة معاّ Disomy تتواجد ثلاث وحدات Trisomy من نفس الرقم معاّ، وهذه الحالة تؤدي إلى إصابة الجنين بمرض البلاهة المنغولية، وأما الأسباب المحتملة التي قد تؤدي إلى حدوث ذلك الخلل في الإنقسام الخلوي فيمكن تلخيصه وفقا لما جاء في أحد التقارير بإصابة الأم بمرض الحصبة خلال الأيام الأولى من حصول تلقيح البويضة، ومن الأعراض التي ترافق مرض الحصبة إلتهاب القناة التناسلية وبالتالي حدوث نقص نسبي في كمية الأوكسجين الطبيعية التي تدخل إلى الرئتين أثناء التنفس، وبالتالي فإن النقص في وصول عنصر الأوكسجين إلى نوى خلايا البويضة أثناء عملية التلقيح وأثناء نمو وتكاثر الخلايا في بداية الحمل مهما كانت أسبابه يؤدي إلى عطل وضرر في عملية الانقسام الخلوي في الإنسجة المكونة للجنين، لأن الأوكسجين يشكل عنصراّ رئيسياّ في التركيب الكيميائي للعرى الملونة تبلغ نسبته 12 بالمئة وزناّ، وأن أي نقص في مصادر الأوكسجين اللازمة للخلايا يؤثر سلباّ على نمو وتكاثر العرى الملونة. أحد التقارير الطبية أشار إلى ما حدث بعد حرب الخليج عندما تضاعفت نسبة المواليد المصابة بالمنغولية نتيجة الحرائق التي أشعلت في آبار النفط وجعلت الهواء المستنشق لدى الحوامل مشبعاّ بثاني أوكسيد الكربون مما جعل نسبته ترتفع على حساب الأوكسجين نسبياّ، كما أن نقص عنصر اليود في غذاء الأم الحامل يؤدي إلى نقصه أيضا في جسم الجنين مما يعرض الجنين إلى التشوه الجسدي وقصر القامة والبلاهة نتيجة فقدان أو إضطراب إفرازات الغدة الدرقية. ويقول تقرير آخر أن تعرض الرحم والمبيض للتصوير بالأشعة أثناء عملية التلقيح بين البويضة والحيوان المنوي قد يسبب الخلل الحادث في عدم الطباق في الانقسام الخلوي، ولذلك تمنع المرأة الحامل من التعرض للتصوير بالأشعة لأن العرى الملونة «الكروموزومات» في نوى الخلايا الحية ذات حساسية عالية جداّ للتأثر السلبي بالأشعة، وذكر تقرير أن عمر المرأة الحامل يلعب دوراّ في تعرض الجنين للإصابة بالبلاهة المنغولية، ذلك أن المرأة بعد سن البلوغ يفرز المبيض بويضة كل أربعة أسابيع كاملة، وعند الحمل تتلقح بويضة واحدة من مجموع البويضات المتراكمة في الرحم، وكلما زاد عمر المرأة يزداد عدد البويضات التي تتعرض للتلف والفساد، وأن وجود مثل هذه البويضات إلى جانب البويضة الملقحة قد يؤدي إلى الخلل في الإنقسام الخلوي، كما أن الزيادة في عمر المرأة يؤدي إلى جعل البويضة لزجة ودبقة وشديدة الرطوبة، وأكثر إلتصاقاّ بجدار الرحم، مما يؤثر ويؤدي إلى عدم الطباق في الإنقسام الخلوي. وأشار ذات التقرير إلى أن علماء طبيعة النوى الخلوية توصلوا إلى معرفة إذا كان الجنين مصاباّ أم لا بمرض البلاهة المنغولية عندما يبلغ عمر الجنين مدة 12 أسبوعاّ، وذلك بأخذ عينة من السائل المحيط بالجنين في الرحم داخل الكيس الغشائي الذي يحفظ الجنين، وبالتالي إجراء تحليل خلوي نووي للعرى الملونة في خلايا العينة بطريقة كيميا بيولوجية دقيقة تعرف باسم Amniocentesis، ويمكن في هذه المرحلة المبكرة من التشخيص أن تختار الأم عملية إنهاء الحمل بدلاّ من ولادة طفل مشوه حسب ما تسمح به القوانين الطبية والقانونية والأخلاقية المرعية الإجراء. تورنتو ـ نادر إبراهيم