الاربعاء 25 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 26 فبراير 2003 لم يكن لندوة «الثابت والمتحول في الاعلام العربي .. الكويت نموذجا» التي اقامتها دائرة الثقافة والاعلام امس الاول ان تبتعد كثيرا عن الظرف السياسي العربي الراهن وخاصة الأزمة العراقية في بعدها العربي بصورة عامة والكويتي بصورة خاصة والانعكاسات الخطيرة لهذه الازمة اقتصاديا وسياسياً واجتماعياً، لكن ضيف الندوة الدكتور سعد بن طفلة العجمي وزير الاعلام الكويتي الاسبق كان موفقا كعادته في تقديم قراءة عامة للمشهد الاعلامي الكويتي سلبياته وايجابياته في ظل التشكيلة الاعلامية للمنطقة العربية. حضر الندوة التي اقيمت في قصر الثقافة بالشارقة امس الاول الشيخ عصام بن صقر القاسمي رئيس دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة وعبدالله العويس مدير عام الدائرة. وقدم لها علي عبيد مدير مركز التدريب الاعلامي في «البيان» عبر مجموعة من التساؤلات المستمدة من عنوان الندوة متناولاً مفردتها الثابت والمتحول على اعتبار ان الثابت ذو علاقة بالكثير من ثوابتنا النظرية والتي هي على ارض الواقع قابلة للتغير بفعل تغير الظروف والقناعات والمصالح، الى جانب ان المتغير هو السمة الاكثر حدوثا في حياتنا وبصورة يومية، اما الاعلام فلأنه عند الشعوب المتقدمة يحظى بمكانة كبيرة قد لا ينفاسه فيها شيء، وعن الكويت اشار عبيد الى انها كانت ولا تزال واحدة من منارات الفكر العربي والريادي على مستوى الوطن العربي، وبالرغم من ان الكويت تعرضت لمحنة قد تدفع الكثير من الدول لتغيير أفكارها، الا انها لا تزال محتفظة بثوابتها. ثم استهل الدكتور سعد بن طفلة العجمي محاضرته بمقدمة عامة تناول فيها الاهمية التي يتمتع بها الاعلام، والدور البارز والاساسي الذي يحظى به في حياتنا، لكن هذا الاعلام لا يعني نهائيا المفهوم السائد عنه بأنه مجموعة الصحف، او محطات التلفزة والاذاعات لانه يتجاوز هذه المسميات ليكون رسالة أمة وشعب، مشيرا الى ان فكرة وزارات الاعلام على امتداد الوطن العربي نشأت وتكرست وفق المفهوم الشمولي الهادف الى ادلجة الناس عبر اعلام موجه وتشويش ما تبقى من الرسائل الاعلامية للتفرد بالرأي ووجهات النظر، والمشكلة ان هذا الدور السلبي لا يزال قائما في الوقت الراهن الذي باتت عملية تطبيقه مستحيلة وخاصة مع ثورة المعلومات، ومن هنا فإنه من غير الجائز استمرار هذه العقلية والاصرار على عملية احتكار الرأي والمعلومة. ثم تناول المحاضر جوانب من ملامح الاعلام الكويتي الذي مر بمرحلتين الاولى ايجابية ومزدهرة بعد انحسار الدور اللبناني بسبب الحرب الاهلية ليحتل الاعلام الكويتي الصدارة مستفيدا من هامش الحرية الذي امتاز به، هذا الهامش تحول مع الوقت والممارسة الى احدى الثوابت التي لا يمكن التراجع عنها او اعادة ذلك الرقيب المرتبط بالتيار المعادي للحريات، والى جانب ما تميزت به الصحف الكويتية المحلية كانت هناك خطوات عملاقة في طباعة الصحف الاجنبية العربية المهاجرة وبقيت هذه الملامح المشرقة لغاية الغزو العراقي الذي ترك ندوبا مستمرة حتى اللحظة الراهنة ليس على الجسد الكويتي وحسب بل على جسد الامة العربية بصورة عامة لتبرز الى السطح الكثير من الملامح السلبية كالذي حدث مع حالة المقاطعة لقناة «الجزيرة» وهذه الحالة الغريبة التي تجعل دولة تقلق من قناة تلفزيونية، الى جانب قدرة بعض القوى السياسية على ايقاف الصحف، وهذه الحالة اشارة الى امكانية مجلس الوزراء اغلاق الصحف والمطبوعات وهي صلاحية اشار العجمي الى ان ثمة محاولات قائمة لتعديلها فقانون المطبوعات الكويتي لم يتم تعديله منذ تأسيسه عام 1959. واشار العجمي الى ان الناس لا تزال غير قادرة على التمييز بين حرية الصحافة وحرية الرأي، حيث لا يمكن بأي شكل من الاشكال الحصول على ترخيص لاصدار صحيفة ولذلك على الكويتيين الا يتشدقوا بحرية صحفية مادامت عملية اصدار صحف جديدة غير ممكنة ولا تزال مقيدة لاسباب احتكارية ومالية بحتة. هذه الملامح السلبية وغيرها لم تظهر بدون مقدمات بل هي مرتبطة بشكل أو بآخر في الامراض التي اصابت الاعلام العربي بصورته العامة، حيث كان الخطاب الاعلامي العربي شبه واحد فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والوحدة والقومية والتنمية وغيرها من الهموم المشتركة التي كانت قائمة الى جانب ان الاعلام في الكويت برزت لديه اساسيات مرتبطة بالغزو العراقي الذي صار من الأولويات الاعلامية، ويأتي اليوم من يطالب بهذا الاعلام بالعودة الى ما كان عليه وبدأت تظهر عملية المقارنات بين الفضائية الكويتية وغيرها من الفضائيات وهي عملية غير صائبة وخاطئة، فليس ممكنا مقارنة فضائية رسمية مع اخرى خاصة ومستقبلة ولكن على المستوى الرسمي يمكن القول ان الفضائية الكويتية تأتي في المقدمة. ومن جهة ثانية اكد المحاضر على ضرورة العمل عربيا وليس فقط على المستوى الكويتي على اعادة احياء وتأسيس مفهوم الاعلام الحقيقي عبر الايمان بأن الاعلام رسالة امة وشعب وليس وزارة اعلام، وان يولي زمن الاحتكار والتفكير عبر قانون للاعلام وليس للمطبوعات ولا يعني هذا الامر الغاء وزارات الاعلام بل العمل على تفعيل دورها وتجديده والانتقال من الحالة الرسمية الاحتكارية مع العمل للوصول الى تشريعات تضبط حالة التدفق الهائلة للمادة والمعلومة، صحيح ان هناك اتفاقيات دولية حول بعض القضايا لكنها لا تراعي الخصوصيات والخطوط والثوابت الخاصة بنا، التي علينا الاتفاق عليها اولا، لان القيم الاخلاقية ليست واحدة لدى الجميع. لكن العجمي رغم التفاؤل الذي يتمسك به اكد على ان القوى والمرجعيات السياسية التي ادت بالامور الى ما هي عليه اليوم ليس لها ان تنقذ الموقف لانها ذات العقلية السلطوية غير القادرة على اتاحة المجال لاعلام حر غير مسيطر عليه وهو بذلك يتكيء على قول اينشتاين مفاده «لا يمكن حل مشكلة بالعقلية نفسها التي سببت المشكلة». المساحة الحوارية التي اعقبت الندوة تنوعت حول الاعلام والحالة العراقية الكويتية حيث اشار العجمي الى ضرورة التعاطي مع ايقاع العصر السريع والمتطور بصورة مستمرة الأمر الذي خلق اجيالاً جديدة مختلفة تماما عن الاجيال السابقة منوها إلى ان الكويت تعيش حالة من الجمود في اتخاذ القرارات الحاسمة، وهي حالة مرتبطة بالشعور العارم بالقلق الذي يولد الجمود، مؤكداً على ان المعارك الصحفية التي تبرز بين الحين والآخر في الكويت غالبا ما تكون ذات طابع شخصي ولكن اشدها تلك القائمة على اختلافات فكرية، لكن لاعطاء الاعلام قوته اللازمة يجب مساواة سلطته ببقية السلطات القادرة بشكل او بآخر على تعطيله. كتب: حازم سليمان