الاثنين 23 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 24 فبراير 2003 قصتان تشتركان بالموضوع نفسه وتختلفان في النهاية، الاولى انتهت بطريقة مأساوية في احدى محاكم سياتل في مارس العام 2002 عندما صدر حكما ضد المدعو اندل جيفورد كنج الرجل قصير القامة هادئ الصوت بالسجن 28 عاما لقيامه بقتل عروسه المستوردة بالبريد اناستازيا. واناستازيا عازفة البيانو البالغة من العمر 20 عاما كانت قد اختفت بعد فترة قصيرة من عودتها من بلدها الأم قيرغيزستان التي كانت في السابق جزءا من الاتحاد السوفييتي. وتبين لاحقا انه بعد عامين مروعين من الزواج لقيت الفتاة الشابة حتفها شنقا بربطة عنق على يد نزيل غرفة في منزل آل كنج بينما جلس زوجها البدين فوقها لتسهيل مهمة القاتل. وقد تم اكتشاف جثتها في قبر سطحي وتلقى قاتلها دانييل لارسن مستأجر الغرفة الذي له سجل اجرامي طويل في التحرش بالاطفال عقوبة بالسجن لمدة 20 عاما. اما القصة الثانية فقد حدثت في منطقة سانت اساف شمالي مقاطعة ويلز، لويد جونز 60 عاما وزوجته التايلاندية التي ارتبط بها منذ عامين جيب وانفن 39 عاما يرويان بسعادة قصة لقائهما بالامير تشارلز في اغسطس 2002 عندما كان الامير يزور منظمة يساعد جونز في ادارتها تساعد الاشخاص الذين تجاوزوا سن الخمسين في البدء بمشاريع تجارية. وتصف الزوجة التايلاندية الأمير باللطف الشديد ويتذكر جونز ان الأمير سأله عن المرأة التايلاندية التي تقف بجواره فأجابه بأنها زوجته فسألها ان كانت تسيطر عليه فأجاب ضاحكا بأن جميع نساء تايلاند يفعلن ذلك فتوجه لزوجته وسألها هل انت المديرة فردت بحماس: نعم هذه هي الاوجه المتعارضة لصناعة استيراد العرائس الاجنبيات. فالانفجار الذي حدث في ظاهرة التعارف عن طريق الانترنت وانتشار ما يعرف بوكالات التوفيق بين النساء والرجال واعلانات نوادي القلوب الوحيدة خلال النصف الأخير من العقد الحالي ازال الكثير من الجوانب السلبية التي ارتبطت بها وجعلتها اختيارا مقبولا ان لم تكن موضة للاشخاص الباحثين عن شريك الحياة. وتجارة استيراد العرائس الاجنبيات تساوي الملايين من الدولارات. وتقدر ادارة خدمات الهجرة والجوازات في الولايات المتحدة وجود مئتي شركة استيراد عرائس اجنبيات في الولايات المتحدة وحدها تقوم بتنظيم ما بين 4 آلاف ـ 6 آلاف زواج من هذا النوع سنويا. وعلى الانترنت ترتفع الاحصائيات بشكل هائل فاذا ما قمت بطباعة عبارة «عرائس وفقا للطلب» في ماكينة جوجل للبحث ستجد اكثر من 77 ألف رديف. واختيار عروس الاحلام من كتالوج يحوي صور نساء يتمتعن بجمال اجنبي هو امر سهل جدا ويشتد عليه الطلب في الوقت الحالي سيما وان بعض الوكالات كالوكالة الروسية للمواعدة فرع المملكة المتحدة تؤكد للزبائن ان معظم فتياتها يتحدثن الانجليزية وان معظمهن يفضلن الالتقاء برجل يكبرهن بعشرة الى عشرين عاما. فهؤلاء النسوة لا يقلقهن الفارق السني بالدرجة الموجودة في الدول الغربية، والامر ذاته ينطبق على المقتنيات المادية التي لا يأبهن بها او بالمظهر الخارجي. وتحث الوكالة الروسية للمواعدة الناس على ان «يعيشوا الحلم» لكن حلم من؟ فلم يكن حلم انستازيا اطلاقا ان تنتهي ضربا وشنقا في قبر سطحي. ولم يكن حلم الفتاة الفلبينية التي هربت من زوجها الكندي الذي يسيء معاملتها لتكتشف لاحقا انه هارب من السلطات الأميركية بعد قتله عروسا اخرى مطلوبة بالبريد. ومع ذلك وبالرغم من المخاطر فان ذلك لا يزال حلم حوالي مئة وخمسين الف امرأة معظمهن من دول جنوب شرق آسيا وأوروبا الشرقية ممن يقمن سنويا بالاعلان عن انفسهن كراغبات في الزواج. وبالنسبة للرجال فان الحصول على زوجة مستوردة يبدو انه ليس فحسب حلم الفاشلين والمسنين ولكنه ايضا حلم الكثير من الرجال الذين يتمتعون بالنجاح المهني والمستويين التعليمي والاقتصادي الجيدين، والذين يكون اكثر من نصف عددهم متزوجا في السابق على الاقل مرة واحدة. جوزيف واينر الذي تتخصص وكالته في استيراد زوجات من جمهورية التشيك وسلوفاكيا يجد ان اعمار اغلبية زبائنه تتراوح بين 35 الى 75 عاما ولكن هو ولويد جونز الذي اسس ويدير وكالة تايلاند الجميلة بمساعدة زوجته التايلاندية جيب يؤكدان انهم تلقوا طلبات من رجال تقل اعمارهم عن الخامسة والعشرين. ويقول واينر ان الامر المدهش انه تلقى طلبات استيراد عرائس من مشاهير ونجوم سينما ومغني روك ورجال اعمال اثرياء، ومؤلف مشهور جدا. ويشرح بأنه ليس مهما من يكون الشخص ولكن من الصعب هذه الايام ايجاد شريكة حياة اصغر سنا ومستعدة لان تكرس حياتها من اجل الرجل الذي ترتبط به. ولويد جونز كان في الثامنة والخمسين ومطلقاً مرتين عندما لاحظ للمرة الاولى اعلانات عن وكالات تعارف بنساء تايلانديات في مجلة الصنداي تايمز في اوائل العام 2001. وجونز الذي عمل في السابق اقتصاديا وباحثا يجري مسوحا ومالك كراج ومدير فندق وبطل راليات وراع للماشية قرر بشكل فجائي ان يقود سيارته مسافة ستمئة ميل لاستلام شريط فيديو من واحدة من تلك الوكالات. ولدى عودته الى منزله شاهد مئات من النساء الجميلات معروضات على الشاشة وبعد انتقائه ستاً منهن سافر الى بانكوك وهناك دفع جونز مبلغ 3 آلاف جنيه رسوم الوكالة والسفر والاقامة قبل ان يسمح له برؤية «جيب» وهي اول النساء اللائي طلب مقابلتهن. ولم تكن جيب قادرة على التحدث بالانجليزية وكانا يتفاهمان عن طريق الشخبطة على الاوراق وجيب وهي من قرية باتلونج في جنوب تايلاند وتعمل بائعة في احد محلات بانكوك تقول انها كانت دائما تتمنى الزواج من رجل غربي لأنها لا تحب الرجال التايلانديين وشرحت بلغة انجليزية ركيكة ان رجال تايلاند «نسوانجيون» وليسوا أوفياء لزوجاتهم. وبالرغم من اختلافهما تمكن الزوجان من التغلب على هذه المشكلة وجونز يقول ان نساء تايلاند لا يمكن شراؤهن وان الحب لا يأتي الا بالعشرة والوقت، وهو يؤكد انه سعيد جدا معها الأن. اما جوزيف واينر وهو أميركي في الستين من عمره يقيم في غرب لندن فهو يصف النساء التشيكيات بالجمال والذكاء ويقول انهن متعلمات وغير مدللات وان حضارتهن تزرع فيهن قيمة مساندة الزوج واحترامه. لكنه لا يكيل المديح نفسه للنساء الروسيات والاوكرانيات لأنهن على حد قوله يأتين من بيئات تنتشر فيها الجريمة وأمراض الايدز. وواينر كان قد عاش في لندن لمدة 15 عاما وكان شبه متقاعد عندما اقترح عليه صديق ان يستغل تجارة استيراد العرائس من التشيك، ووكالته التي تأسست منذ ستة اعوام مزدهرة حاليا. وهو متزوج من امرأة ايطالية ارتبط بها منذ 22 عاما في ظروف عادية. وعلى حسب قول واينر فان جميع الرجال الذين يأتون للوكالة يبحثون عن الشيء نفسه: امرأة جميلة وذكية ومتعلمة وتحترم الحياة الزوجية وتكون وفية وملتزمة تجاه زوجها وفي الوقت نفسه تكون اصغر سنا بكثير وهو ما يستحيل العثور عليه في أميركا وانجلترا على حد قوله. ووكالته تسجل بيانات طالب الزواج على الكمبيوتر وترسل الطلب الى جمهورية التشيك فيتلقى بعد ذلك عدة صور لنساء مناسبات له واذا ما قرر خوض التجربة فان أمامه اختيارين أولهما يكلف مبلغ 650 جنيها والاخر 1250 جنيها. واذا تعذر السفر على طالب الزواج توفر له عناوين للتواصل مع العروس المطلوبة عبر البريد والهاتف على مدى سبعة اشهر او عمل ترتيبات لجلب المرأة المطلوبة الى بريطانيا، وهو الامر الذي يسهله نظام التأشيرة البريطانية الذي يسمح لنساء التشيك بالبقاء في بريطانيا لمدة عامين ونصف قبل ان يوافقن على الزواج. وقد حققت هذه الرحلات المنظمة نجاحا كبيرا ما حدا بواينر للتخطيط لعرض هذه الرحلات على وكلاء السفريات. لكن الامر المخيف في تجارة العرائس المستوردة في بريطانيا قلة القوانين التي تحمي النساء. ففي الولايات المتحدة فان هذا النوع من الوكالات مجبر على تقديم معلومات حول الزبائن الذين يسيئون معاملة النساء ما يمنح العروس الاجنبية فرصة في التقدم بطلب اقامة اذا ما اثبتت انها ضحية للعنف المنزلي. وما بين الاعوام 1997 و2000 تقدمت 11 ألف امرأة بطلبات اقامة وحصلت عليها 6 آلاف و576 منهن. ويقدر ان حوالي نصف اعداد هؤلاء النساء يتعرضن للاساءة في الولايات المتحدة ويخفين ذلك كما تشهد عليه حالة اناستازيا. فقد تمكن اندل كنج من ترك انطباع جيد لدى والدي انستازيا بهدوئه وخلفيته العائلية الجيدة وشهادته العالية في التجارة وادارة الاعمال. وفي العام 1996 اطلق فني كمبيوتر يدعى تيموثي بلاكويل الرصاص على زوجته الفلبينية اثناء وجودهما معا في محكمة سياتل ما ادى الى مصرعها هي واحدى صديقاتها واصابة شخص اخر. وكانت الفلبينية سوزانا ريمراتا قد تقدمت بطلب الطلاق بعد عشرة ايام عنيفة من الزواج. وفي مركز النساء الفلبينيات في فانكوفر وجدت سيسيليا ديوكسون مؤلفة دراسة عن الزوجات المستوردات في كندا أن النساء الفلبينيات يتزوجن بدون استثناء من اجانب بهدف الحصول على المال لاعالة انفسهن وعائلاتهن. وتحاول ديوكسون تنظيم برامج لمساعدة النساء الاجنبيات اللائي تورطن في مثل هذا النوع من الزيجات على تحسين نوعية حياتهن من خلال تقديم المشورة والنصح أملا في ايقاف موجة استيراد العرائس الاجنبيات التي تجتاح الدول الغربية حاليا. ابتسام احمد