الاحد 22 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 23 فبراير 2003 بيج سيد يروي الاكاذيب، فخلال محادثة استمرت ثلاث ساعات في احدى زوايا شوارع لندن، روى قصة حياته اربع مرات، وكل رواية كانت اكثر غرابة من سابقتها ففي احداها، يسبح الى وسط نهر التيمز في قلب الشتاء لكي ينقذ كلبا يغرق، وفي اخرى يتغلب على مجموعة من حليقي الرؤوس المسلحين بالسكاكين بيديه المجردتين، وسيد هو رجل اسود يقول ان والديه قدما الى بريطانيا من منطقة الكاريبي، ولكن التفاصيل المحددة لسيرة حياته التي قدمها تتباين كثيرا، بحيث يخال للمرء انه يتحدث عن ثلاثة اشخاص او اربعة مختلفين تماما وهو يناقض نفسه في كل جملة ينطق بها ويكرر على نحو غير متناغم عبارتين مفضلتين لديه وهما: «قصير الاجل» و«طويل الاجل». واستنادا الى الرواية التي تصدقها للقصة، فان بيج سيد قد ولد في جنوب لندن او في يوركشاير، وقد ترك المدرسة في المرحلة الثانوية او لعب كرة القدم في الجامعة وكان متزوجا وطلق امرأته مرتين او لم يتزوج ابدا وهو قد يكون في سن الخامسة والثلاثين او الاربعين، ويزعم بأنه وحيد في العالم، يتيم بلا اقارب على الاطلاق، ولكن عندما سئل عن امكانية تصويره من اجل كتابة الموضوع، قال: «لدي عائلة يا رجل» ثم انخفضت نبرة صوته العالية الى مستوى الهمس قائلا: «لا اريدهم ان يلتقطوا مجلتك فيروني على هذه الحال». ان حالته هي الحقيقة الوحيدة الاكيدة حول بيج سيد وهي انه مشرد وفي ليالي الشتاء الباردة يصنع لنفسه سريرا من صناديق الكرتون المسواة ويحشر نفسه في كيس نوم صغير جدا بالنسبة لقوامه الضخم، ويضع رأسه الصلعاء على حقيبة قديمة لساعي البريد تضم متعلقاته الشخصية لقد كان يتجول خلال الجانب الاكبر من حياته كشخص بالغ من مدينة لاخرى وينام نومة قاسية ومرة او مرتين في العام يذهب سيد الى مأوى للمشردين لكي يتخلص من الطقس العاصف او لكي يحظى بمعاينة الطبيب للقروح في قدميه ولكن هذه الفترات الفاصلة نادرا ما تستمر اكثر من بضعة ايام فهو يجد ان صحبة الانسان الدائمة هي امر يبعث على الاكتئاب وهو متشكك للغاية بأي شيء، تفوح منه رائحة الجهات الرسمية. ويقول بهذا الخصوص ان «الملاجيء جيدة في المدى القصير، للحصول على حمام وعناية طبية، ولكنها ليست للاقامة في المدى الطويل، يا رجل، وليست لي!». ويمثل ايجاد حلول طويلة الاجل لاشخاص مثل بيج سيد تحديا متناميا وكبيرا لاوروبا الغربية حيث تتصاعد ظاهرة التشرد الى مستويات لم نشهدها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والارقام الحقيقية نادرة الوجود، ولكن بحسب الاتحاد الاوروبي للمنظمات الوطنية العاملة مع المشردين، وهي هيئة مقرها بروكسيل تشكل مظلة لمنظمات المشردين، فان هناك ثلاثة ملايين مشرد على الاقل في الدول الغربية هذا الشتاء وما بين خمس وثلث هذا العدد هم افراد في عائلات مشردة ولا ينام سوى نسبة بسيطة لا تتعدى 10% في فراش قاسٍ كما يفعل سيد، فمعظمهم يتجمع في الملاجيء او المنازل المؤقتة، ويعيشون في اكواخ او ينامون في اسرة بمنازل الاصدقاء والعائلة، واذا كنت تعتقد ان التشرد هو مشكلة اميركية فعليك ان تعيد التفكير في اعتقادك هذا وكنسبة من عدد السكان فان القضية سيئة في اوروبا بقدر ما هي في اميركا حيث يوجد ما يقدر بمليوني مشرد بحسب دينيس كولهان وهو خبير في السياسة الاجتماعية في جامعة بنسلفانيا الذي يقدر الرقم هذا من خلال زيارته لمرافق المشردين في تسع ولايات اميركية. وتعتبر حقيقة ان مشكلة التشرد في اوروبا تضاهي المشكلة نفسها في اميركا وان اسرع شرائح المشردين الاوروبيين نموا هي الاسر ـ تعتبر صدمة فأوروبا ترى نفسها اكثر لطفا ورحمة واكثر تحملا للمسئولية الاجتماعية من الولايات المتحدة بوجود شبكة ضمان اجتماعي واسعة ومكلفة مصممة لرعاية وحماية الشرائح الاكثر ضعفا في المجتمع ـ وهم نفس الاشخاص الذين يرمون الى الذئاب في اميركا، ولكن ذلك قد يكون هو الفكرة، فمن السهل على المرء ان يكون مشردا في اوروبا حيث يتلقى حتى الاشخاص العاطلين عن العمل شيكات من الرفاه الاجتماعي. غير ان النشطاء والخبراء يترددون في الربط المباشر للسبب والمسبب بين الاعانة الحكومية والتشرد وهم يشيرون عوضا عن ذلك الى سياسات رفاه اجتماعي غير كافية وغير متناسقة تقوم برمي الاموال على المشكلة ولكنها لا تفعل ما فيه الكفاية لنقل المشردين من الشوارع والملاجيء الى وظائف ومنازل دائمة. ان الارقام التي تتحدث عن عدد المشردين في اوروبا والتي تضعهم عند ثلاثة ملايين شخص ليست ارقاما دقيقة تستند الى احصائيات حقيقية وانما الى تقديرات تفتقر الى الدقة فمعظم الدول الاوروبية لا تعرف اين تبحث عن المشردين او كيف تعدهم، وبيانات الحكومات تكون مشوشة في العادة وغير موثوقة تماما مثل القصص التي يرويها بيج سيد. ضرار عمير