الخميس 19 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 20 فبراير 2003 رواية «الموتى لا يكترثون بالورود» عنوان اختاره الاديب صلاح صلاح لآخر اصداراته حيث يوزع صلاح احداث روايته هذه على 100 صفحة من القطع المتوسط. «الشخصيات كما ذكر في المقدمة حقيقية وغير ذلك محض صدفة» حيث يذكرنا حلمي الشخصية الاساسية في الرواية والذي يعيش في باريس فقيراً متشرداً يذكرنا «بفوضوي نهاية القرن التاسع عشر كما درج على تصويره في الافلام السينمائية». حلمي الذي يعيش مع الذكريات التي تفتح للقاريء آفاقاً للتعرف على ماضيه الذي ادى به الى حالته الآنية. فقد عاش في دمشق طفولة سعيدة باعتباره سليل اسرة عريقة ودرس المحاماة ثم قدم الى باريس ليتابع دراسته. باريس المدينة التي احتضنت يوميات حياته المشبعة بالفقر والتشرد. «منذ شهرين ونيف وحلمي يقطن في شقة رجل ذهب في اجازة وسمح له بالنزول فيها اشفاقاً عليه» ـ ص 11 ـ لينتقل فيما بعد الى مكان آخر، يرافقه فيه نبيل، بشير، وطارق الذين لا يبتعدون كثيراً عن حياته اليومية في مدينة النور التي يتنقل في شوارعها للحصول على عمل. الى ان قادته الصدف ليصبح وجها لوجه مع المحقق الذي عرف ان جواز سفره خالٍ من الاقامة، ومازال يبحث عن استاذ يقبل موضوع رسالة الدكتوراة التي يعدها، ولانه مصر على هذا في دقيقة او تكاد كان حلمي وحيداً في زنزانة نصف مظلمة، وهذا ما جعله ينظر الى الاشياء بصورة مختلفة عندما خرج من الزنزانة «احس بنشوة لجمال نور النهار» ص46. و«مر شهر من الشتاء احدث البلل» البلل الذي داهم حياته صدفة بعد ان التقى عجوزاً واعانها في نقل حاجيتها المنزلية لتعرض عليه احضارهم ثلاث مرات في الاسبوع مقابل اجر معقول. هذا العمل اوصله للتعرف على «كاترين» التي احتضنته في احد الليالي الشتائية بحرارة انسانية كان قد نسيها في زمن بعيد الا ان العلاقة انتهت سريعاً قبل مرور الشتاء بعد ان طلبت منه «كاترين» الزواج. وكما اعتاد المؤلف على تقسيم فصوله بطريقة مختلفة عن الارقام إنما بعبارة او بمقطع شعري بدأه بالجزء الاول مستعينا بعبارة الامام علي وآه من قلة الزاد ووحشة الطريق. وصل القاريء معه الى ما بعد الشتاء الى الربيع حيث استحضر مقطعاً شعرياً من «جدارية» محمود درويش «وياموت انتظر يا موت حتى استعيد صفاء ذهني في الربيع» الربيع الذي استقبله حلمي في باريس بعد ان تحسنت صحته، وفي باريس عرف بعد انقطاع دام اسبوعا ان العجوز «رحلت عن العالم منذ اكثر من اسبوع». وهذا ما قاده الى مقبرة «بيرلا شيز» ليضع الزهور على قبر العجوز. حيث يرقد قبلها في هذه المقبرة والى الابد «يلماز جوناني» المخرج السينمائي التركي الذي لجأ الى فرنسا بعد فراره من السجن في بلاده لقد «هالته اسماء العظماء الذين يرقدون هنا» وحين شاهد قبر «اوسكار وايلد» ابتسم اذ تذكر قوله «الموت في باريس باهظ الثمن» كما دهش لكثرة المشاهير الذين طلبوا الحرق بعد الموت» ص 79 وفي هذه المقبرة الشاسعة سأل حلمي نفسه «وماذا لو مات هنا غداً» وافكار كثيرة اخرى قادته الى كاترين، الى ان قطعت سلسلة افكاره حين سمع حواراً بين رجل وامرأة مطلقة «لا افهم لماذا يضع الناس الزهور على القبور» الى ان وصل الى قول الشاب «كلما رأيت زهوراً مقطوفة اتذكر برناردشو «لانه كان ضد قطف الزهور». وهذا ما استفز المرأة للسؤال كيف يمكننا التعبير عن محبتنا للراحلين عند زيارة القبور وفي الخبازات. وجاء جوابه الغير متوقع «هل تعتقدين ان الموتى يكترثون بالزهور» في هذه اللحظة كان حلمي يكرر في سره مع الشاب «حقاً الموتى لا يكترثون بالورود» ص 8483. ربما هذا ما دفعه في زيارة ثانية الى تقطيع الورود الحمراء واخفائها بسرعة البرق في جيوبه الداخلية ليبيعها فيما بعد مبرراً «ما فائدة الورود للميت! اليس الحي افضل كما تقول» ص 89. وفي الجزء الاخير من الرواية «حين ركع حلمي كعادته قرب القبر واستل مقصه» خرجت من القبر يد بيضاء والتراب يتساقط منها ببطء لتقدم اليه الورود قائلة: «تفضل هاك الوردة لا تجزع في الواقع انا لا اكترث بالورود» جاءه صوت ناعم هاديء من داخل القبر دون صدى ولم يكن هذا سوى حلم. لانه لا يمكن ان يكون حقيقة لحلمي الذي تعاقد على بيع الزهور بمبلغ بسيط بمحاولات قادته ذات مرة من كثرة اكاليل الورود ومن التراب المبتل للوقوع في القبر، ليقضي ليله المظلم حائراً متأملاً حتى انقذه عمال الصباح بعد ان كذب عليهم قائلاً: انه «انزلق منذ لحظات هنا» ص 99 ـ انها الحادثة الفاصلة التي اوصلت حلمي الى ان يقول لاصدقائه مصراً «الرجاء وانا ابدل ثيابي ان تتصلوا بأي خطوط طيران تعيدني الى بلادي». انها عبارة النهاية التي تقود القاريء الى اكثر من تفسير أهمه لابد من العودة الى الوطن خاصة ان صلاح في رواياته هذه قد اختصر حياة معظم المغتربين العرب في البلاد الاوروبية في شخصية حلمي المتشرد في باريس الذي عاش فيها الكاتب فترة من الزمن ومنحته القدرة على الدخول بتفاصيل شوارعها وتقاليدها اليومية واضعاً القاريء بالرغم من عدم الاشارة للزمن في مفارقة الزمن المعاصر، بل استعان بها صراحة حين قال: «لو كانت حياة حلمي شريطاً سينمائياً لاصبحت الآن اسرع في إيقاع فيلم حركة اميركي» ص 42. تصدرت الرواية التي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت لوحة الغلاف التي اختزلت العنوان والاحداث للفنان السوري باسم دحدوح.