الخميس 19 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 20 فبراير 2003 سُرَّ محك النقد أي سرور حينما أهداه د. شهاب غانم كتابا له عن شاعر يمني، لم يقرأ محك النقد قبل شيئا من شعره. وبعد ان قلب صفحات الكتاب، وصافح عنوانات الفصول خيل اليه انه وقع على اكثر مما كان يتوقع، اذ أطل به الكتاب على عالم ساحر يجهله، اسمه اليمن، وعلى شاعر غزير النتاج، متعدد الفنون، اسمه علي محمد لقمان «1918 ـ 1979م». ومحك النقد الذي تعود أن ينقد نفسه قبل ان ينقده الناس يقر إقرار الجاهل بالكسل والجهل، واقرار المقصر والقاصر بالتقصير و القصور، ويعترف علانية بأنه موصوم بنقص لا يغتفر، وهو ضؤولة حظه من أدب اليمن، واكتفاؤه باليسير من شعر المقالح والبردوني، وبالكثير من أدب باكثير، كأن بلاد اليمن السعيدة المعروفة بالخصب لم تنجب غير هؤلاء الثلاثة. فمن هذا الشاعر اليمني الذي نتعرفه في هذه الخاطرة؟ وما الومضات الانسانية التي تألقت في شعره؟ علي محمد لقمان عدني المولد، يمني المحتد، تنقل في تحصيله بين الهند ومصر، وقادته سعة الثقافة الى احتراف الصحافة، وترجم عشقه للشعر بثمانية دواوين، وخمس مسرحيات، وحملته مشاركته في السياسة على الاضطلاع بتبعة الوزارة حينا، وعلى معارضة الساسة المحترفين في كل حين. وتوفي وبين جنبيه وقدة المعارضة، توفي في اميركا بعد ان كابد ما كابد من مرضين موجعين: مرض الجسد الذي قصم ظهره، ومرض المكايد السياسية التي أدمنت قهره: يشيعون أني مت من وجع الظهر وما علموا أني أموت من القهر وسر القهر احساس الشاعر العميق بأن وطنه غارق في تخلف سحيق، غاط في نوم عميق، وبأن العالم كله تيقظ، او تحفز لليقظة والنهوض: هذا مقامك تحت الشمس يا وطن مذمم، يضحك الاحرار، ممتهن كل أفاق، ولم تنهض، وأيقظه صوت، وأقعدك التدجيل والوسن ولو كان الشاعر منزويا في كهف يعزله عن العالم، أو مختفيا وراء سور يفصله عن الحضارة لما ثقل عليه الاحساس بشقاء الوطن، وتخلف عدن و اليمن. ولكنه خرج الى الدنيا، فقارن ووازن، وقادته المقارنة والموازنة الى رفض الهوان، والى العمل على النهوض بالوطن: متى تحلق في آفاقها عدن متى يطير بنا نحو العلا الوطن؟ متى تكون حقوق لو تصح لنا يبدو لنا عالم بين الورى حسن وهذا التضاد بين الواقع والمتوقع، بين الحاضر والمستقبل اطلق الشاعر من عقال التردد والخوف، وفتح امامه افقا واسعا، يروده بخياله اذا شق عليه ان يروده بجناحيه. فأعجب غاية الاعجاب بأبي العلاء المعري لاكباره العقل، وتحديه العجز، وتحطيمه القيود، وتحرره من تراب الجسد: وأكبرت أمر العقل حين عرفته وللعقل شأن في الحياة خطير وإن كنت رهن المحبسين، فإنما لك الكون كرسي، وأنت أمير حبست كيانا من تراب مقيد وأرسلت روحاً في السماء تدور ومما شده الى ابي العلاء، على ما في آراء المعري من غلو وشذوذ، التقاء الشاعرين في ملتقى انساني واحد، وهو الرفق بالانسان والحيوان، والشكوى من الظلم، والنظر الى الحياة والاحياء بعيني الحب والرحمة، والاشفاق من انجاب الاطفال، والخوف من القائهم في مهاوي البؤس. وفي هذا الرأي من الضعف والجبن مثل ما فيه من العطف والنبل، ومن الاستسلام للواقع السيئ فوقه من الجرأة على تغييره، لكنه انساني على كل حال. وانسانيته تتجلى في قول لقمان لأبي العلاء: عطفت على الوحش الطليق سراحه ونالت من الرفق الحنون طيور رحمت بني الانسان فيما يصيبهم وما الحب الا رحمة وزفير لمن نلد الأطفال، والبؤس شامل وللعقم من ناب الشقاء عذير؟ واذا كان ابو العلاء قد عزف عن الزواج، فقال: خدر العروس وان كانت مخدرة ادهى وأفتك من عريسة الأسد فالشاعر علي لقمان تزوج وأنجب، واقبل على الحياة الأسرية اقبال الزوج المخلص لزوجه، الحريص على رعاية بنيه. غير ان الحياة ليست سعادة خالصة، ولا حبورا محضا، بل يتعاورها الخير والشر، والحلو والمر. واشق ما يشق على الشاعر المستوفز الحس الرهيف الشعور ان يرى طفلا فطر على ضعف الجسد والعقل، فاذا هو امام شقاء، لا سبيل الى مغالبته، وقضاء لابد من تقبله. ولو تسنى للشاعر ان يهب عقل الطفل الوعي والفهم، وجسمه العظم والعزم لما توانى عن تحويل قول عروة بن الورد: أقسم جسمي في جسوم كثيرة وأحسوا قراح الماء والماء بارد من بيت يتمثل به الكرماء الى سلوك يسلكه الاباء في رعاية الابناء، غير ان للقدر حكمه وحكمته، وعلى الانسان ان يرضى بما قسم له: لو أستطيع وهبتك الفهما وبنيت في جثمانك العظما وسعيت يا ولدي بلا كلل كما تنال البأس والعلما ان كان ضعفك موجعا قدري فلقد رضيت بمحنتي حكما ونفس لقمان المرهفة الحس كانت شديدة الكلف بالبحث عن الشخصيات التي تقتحمها عيون الناس، فلا تقيم لها وزنا، ومن هذه الشخصيات شخصية المجنون. فأكثر الناس يتلقون المجنون بيسير من الشفقة، وكثير من السخرية الموجعة، والاحتقار القاتل. اما شاعرنا فانه نظر فيه الى غير المنظور للناس، فرأى ان تحرره من العقل راحة من الشقاء، وان تخففه من التبعات تخفف من الهموم. وحسب المجنون سموا وحلما ان يبرأ من المكر والنفاق، ولا يبيت شرا لاحد، فلا يحمله الطمع على الانتهاز، ولا يغريه الجشع بالابتزاز، فهو طفل كبير، والاطفال أحب خلق الله الى الشعراء: نجا من العقل، فاستراحا ونال في عمره النجاحا يحدث النفس في سكون ويهجر الناس والصياحا ألبابكم في النفاق تحيا تفوق في كذبها «سجاحا» لا ينجب العقل غير شر والشر لا ينجب انشراحا ومن الشخصيات التي كانت تستأثر باهتمام علي لقمان، وتستثير فيه كثيرا من المشاعر العميقة المرضى، والمطلقات، والارامل، واليتامى، والحوامل اللواتي ادركهن المخاض. فمتى ابصر الشاعر هؤلاء وطأ لهم كنفه، وأولاهم رعايته، وشاركهم في آلامهم، وقارن شقاءهم بسعادة الاصحاء، وتعاستهم بحبور السعداء، وتضرع الى الله ان يشفي جسومهم من العلل ليشفي نفسه من الاحساس بأوجاع المعذبين في الارض. رأى مصدورا في مستشفى السل، فأوجعه هزاله، وراح يصور ما يقتات الداء من رئتيه، وما يعروه من خمول وذبول واحساس بالغربة والكربة، فلم تحتمل اعصابه المستوفزة المشهد الموجع، وكاد يتفجر من الحزن على انسان لا تربطه به واشجة من صحبة أو نسب سوى الرابطة الانسانية، فقال: حيران يجهل ما يخفي له القدر يقتات من رئتيه الهم والضجر يئن مغتربا والناس في طرب ان العليل غريب كده السفر يارب، لم يبق في صدري وفي كبدي قهر الرجال وريدا ليس ينفجر وفي شعر لقمان ـ رحمه الله ـ قصائد كثيرة من هذا النمط الانساني الرفيع، منها الروح، والمشتقاة في العيد، والسيجارة طلائع المنون، والثور قال لي، والمطلقة، والحرية، والمدينة الفاضلة، وحقوق الانسان. وهي جميعا تنطوي على حس غلب فيه الايثار على الاثرة، وطغى فيه الترح على الفرح، وتكشف عن نفس، شغلتها هموم الناس عن همهما، وآلام المعذبين عن ألمها. ولمثل هذه المشاعر خلق الشاعر بقلم: د. غازي مختار طليمات