الخميس 19 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 20 فبراير 2003 الأديب والناقد الأدبي الدكتور طه وادي صاحب مسيرة طويلة مع الأدب والنقد وتدريس الأدب العربي في العديد من الجامعات المصرية والعربية قام بالتدريس لفترة أربع سنوات بجامعات الامارات ودول الخليج اضافة الى جامعة القاهرة، ويحمل الدكتور طه وادي في وجدانه الابداعي اتجاهين يبدوان متناقضين ظاهريا وهما اتجاه الأديب والمبدع واتجاه الناقد الأدبي، ولكن هذا التناقض يزول بمجرد حديث الدكتور وادي عنه حيث يؤكد أنه لا تناقض فالأديب يحمل في رؤيته الابداعية نظرة نقدية واعية ولولاها ما خرج ابداعه هادفا وجادا ولكن يقف الأمر عند حدود القدرة فيوجد من يستطيع الكتابة في النقد والابداع معا، ويوجد من يقف عند حدود الأدب فقط أو النقد فقط. صدر للدكتور وادي العديد من الاصدارات الأدبية والنقدية المهمة منها القصة العربية، تطور القصة القصيرة، دراسات في النقد، الليالي وهي سيرة ذاتية. التقاه البيان وكان هذا الحوار: الليالي ـ رغم غزارة انتاجك وتقديمك لأكثر من 14 عملا ابداعيا لكن يظل لمجموعتك الليالي مكانة متميزة، ما السر في ذلك؟ ـ مجموعة الليالي هي سيرتي الذاتية كتبتها عام 1988 ونشرت في العام التالي وكنت وقتها على مشارف الخمسين من عمري، وربما أكشف لك سرا عندما أقول انني كنت في جامعة قطر حينذاك وحدث نوع من الخلافات بيني وبين بعض الزملاء فتراجعت عن الحياة العامة وأثرت أن أخلو لنفسي وفي أثناء تلك الفترة حاولت أن أستعيد نفسي وأتأمل حياتي مرة أخرى وحاولت أن أعود للذات والتوحد معها فكتبت سيرتي الذاتية، وبالمناسبة لست نادما على كتابتها الآن. فكل من كتب سيرة ذاتية بعدها سار على منوالها. ـ ولكن يرى البعض أن كتابتها جاءت متسرعة بعض الشئ فقد كتبتها ولم تبلغ الخمسين من العمر! ـ ربما يصح نقدها من هذه الزاوية وتأتي صعوبتها لأن الانسان وهو في أواسط العمر من الصعب أن يكشف كل أوراقه الخاصة، وعندما قمت بذلك تشجع الكثيرون بعدي ولأنني قمت بذلك بكل صدق فقد وصلت للقارئ تحمل نبض هذا الصدق وهذا ما أعتبره النجاح الحقيقي وسر مكانتها المتميزة. ـ مكانة الأديب والناقد هل كانت حلمك ذات يوم؟ ـ عندما التحقت بقسم اللغة العربية بجامعة القاهرة لم يكن المسار الأكاديمي في مخيلتي لأن كل أملي وقتها أن أصبح أديبا. خاصة وأن علاقتي بالأدب بدأت منذ الصغر وسارت حياتي وأنا مهموم جدا بالتعبير عن مشكلات الانسان الفقير والضعيف الباحث عن الحق والحب والأمان وقد قدمت ذلك في عملين أدبيين هما عصر الليمون وهي رواية بخلاف رواية زهر الليمون للأديب علاء الديب، وقدمت فيها فكرة بسيطة جدا وهي أن الانسان في هذا العصر يُغتال ويعصر كالليمون، أما العمل الثاني فكان مجموعة قصصية بعنوان رسالة الى معالي الوزير وهذه المجموعة تتحدث عن إنسان فقير تخرج في الكلية مع وزير العدل لكن كل منهما سار في اتجاه مختلف وأصبح هذا الانسان موظفا بسيطا بينما صديقه أصبح وزيرا للعدل ومرت الأيام وأصبح لدى الفقير ابنة يريد تزويجها ولا يستطيع فيبعث برسالة الى الوزير، لحل مشكلته وبقية قصص المجموعة تعالج مشكلات الشباب. المرأة والشعراء المجهولون ـ أنت من أوائل من كتبوا عن المرأة في الأدب العربي هل تغيرت رؤيتكم بعد مضي الكثير من الأعوام؟ ـ فعلا أنا من أول من كتب في هذا الموضوع بالنسبة لأدبنا العربي الحديث وقد توقفت في دراستي عند عام 1960، وأثناء السنوات الطويلة التي أعقبت ذلك تغيرت الصورة كثيرا في الرواية والشعر والمسرح والسينما لأن حركة المرأة داخل المجتمع تغيرت وأخذت ايقاعا سريعا، صورة المرأة في الابداع الآن هي رمز حي للحراك الاجتماعي والتطور الأدبي في آن واحد، فأدب المرأة اليوم يتكلم عن نموذج المرأة الوزيرة وعالمة الذرة والاستاذة الجامعية، والصورة الحالية أفضل كثيرا مما سبق وأنا أتابع الأصوات الجديدة مثل فاطمة قنديل وإيمان مرسال مثلما تابعت ملك عبدالعزيز ووفاء وجدي وجليلة رضا ولطيفة الزيات ورضوى عاشور واقبال بركة وسكينة فؤاد واعتدال عثمان وغيرهم، كما أن هناك أصواتا مبدعة مبشرة وهناك أصوات نقدية جادة مثل أمينة رشيد وسيزا قاسم وانجيل بطرس، كل هذا يؤكد مدى تقدم المرأة وأن الصورة مشرفة. ـ ومع ذلك هناك من يرى أن ابداع المرأة لا يمثل شيئا داخل الحركة الابداعية؟ ـ من الممكن أن يصدق هذا على بعض الكتابات اللاتي كتبن عملا واحدا وتوقفن أما الأسماء التي ذكرتها سابقا فهي علامات بارزة في الحركة الأدبية والثقافية في مصر والعالم العربي وهناك رسائل جامعية عديدة تناولت ابداعهن بالدراسة والتحليل وقد ترجمت أعمالهن الى العديد من اللغات فكيف نقول الآن أن المرأة ليس لها دور في حياتنا الثقافية ثم أحب أن أضيف أن دور المرأة مزدوج فهي أم وزوجة ومسئولة عن البيت فالمناخ ليس مهيئا لها بالقدر الكافي لكي تبدع مثلما هو حادث للأديب الرجل ورغم ذلك نجد كتابات جيدة لمبدعات واعدات. ـ كتبت عن الشعراء المجهولين في القرن التاسع عشر، ألا توجد هناك أسماء أخرى مجهولة في مجال الرواية والقصة القصيرة في حاجة للكشف عنها؟ ـ لقد تناولت هؤلاء الشعراء لأنهم مجهولون ومظلومون بالفعل خاصة أن أعمالهم الشعرية كادت تنقرض حتى الموجود منها في دار الكتب حالته يرثى لها، والمشكلة التي تواجهنا في التاريخ الأدبي على مر العصور هي تكرار أسماء معينة واهمال بقية الاعلام مثلا يقال في القديم أن المتنبي أطفأ نور مائتي شاعر، فهل هناك باحث مهما تكن قدرته يستطيع أن يدلني على أسماء الشعراء المعاصرين للمتنبي في القرن الرابع الهجري، وكما يحدث في القديم يحدث الآن، تنكر بعض الأسماء في حين تغفل أسماء أخرى قد تكون أكثر انتاجا وابداعا لذلك فأنا أدعو الى اعادة كتابة التاريخ الأدبي كله قديمه وحديثه، المشكلة أن هذه الدعوة تحتاج لفريق عمل ونحن لم نتعود بعد على مثل هذا العمل العلمي، وبكل أسف من يريد أن يرجع ويبحث في الأدب القديم يعود الى المستشرقين وهذا العمل يحتاج الى جهود جامعة الدول العربية. بين النقد والابداع ـ أنت مبدع وناقد الى أي حد تؤثر العملية النقدية على ابداعك؟ ـ العلاقة بين الابداع والنقد قريبة جدا وبعيدة جدا في نفس الوقت، بمعنى أن عملية النقد تدور في دائرة قريبة من دائرة الابداع لذلك يبدو للمتأمل من الخارج بأن المجالين يدوران في فلك واحد، لكن الحقيقة أن بينهما مسافات وحدودا شاسعة فالوعي النقدي والفكري في الابداع قد يكون ضارا بعملية الابداع وقد يجعل الأدب قريبا من الوعظ والتوجيه المباشر، وفي التراث العربي القديم هناك ما يسمى بشعر العلماء مثل شعر الامام الشافعي، لكن هذا الانتاج صلته بالأدب بعيدة، من هنا عندما يجمع الانسان بين مجالين فهو شديد التأزم والتوتر حتى لا يفسد أحدهما الآخر فالابداع خلق وابتكار وتلقائية وإن كان هناك من تعددت مواهبهم مثل أبي العلاء في الأدب العربي وإليوت في الأدب الانجليزي وهوجو في الأدب الفرنسي، والمسألة هنا في القدرة، وأنا أصدر أعمالي الابداعية تحت اسم طه وادي دون أن تشبه أية صفة علمية لا يحتاجها الفنان وأذكر أن اختلف معي مسئول كبير للنشر أثناء إصدار مجموعتي الدموع لا تمسح الأحزان باسم الدكتور طه وادي فرفضت ذلك واكتفيت باسمي دون ألقاب. ـ وكيف يرى الدكتور وادي واقع الحركة الأدبية العربية بشكل عام؟. ـ الحركة النقدية على المستوى الأدبي لا تواكب الانتاج الأدبي تماما فهناك عشرات من الأعمال تخرج دون الالتفات اليها وتوجد أعمال جيدة لكن لا تجد أدنى اهتمام من النقاد، ومما شكل أزمة النقد وجود بعض النقاد لا يكتبون إلا بدافع المصلحة وهذا لا يمنع من وجود من يراعون قواعد النقد السليم، وكي تسير الحركة النقدية على اسس سليمة يجب وجود ضوابط بين المبدع والناقد أولهما أن يقدم المبدع عملا حقيقيا يستحق النقد وثانيهما أن لا تكون هناك دوافع في الكتابة سواء مع أو ضد العمل وأن يكون الناقد بعيدا عن الهوى. القاهرة ـ محمد الصادق: