الاحد 15 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 16 فبراير 2003 تحتل نبتة الاوركيد المعروفة باسم السحلبية مكانة خاصة في قلوب جميع المهتمين بالبساتين والحدائق وعلم النبات بشكل عام في شتى انحاء العالم غير ان هذه المكانة الخاصة تتعدى حدود الحب والارتباط الى ان تصل الى درجة الهوس مع البريطانيين بشكل خاص منذ وصول السحلبية الى السواحل البريطانية في القرن الثامن عشر، ويذكر المؤرخون كيف لعب هذا النبات دورا مهما في تكوين النظرية الداروينية الخاصة بالعالم البريطاني الشهير تشارلز داروين الذي بهرته قدرة هذا النبات الغريبة على التأقلم مع البيئة التي يتواجد بها وساعدته على وضع ملامح نظريته. وهناك بالطبع مئات من الفصائل النباتية التي تبهر المهتمين بعلم النبات بشكل عام بما تملكه من خصائص فريدة ومظهر خارجي خلاب يأسر القلوب والالباب غير انه بالنسبة للبريطانيين، فان جميع الفصائل النباتية تتضاءل في الاهمية امام عظمة وروعة هذه النبتة التي بدأ هوس البريطانيين بها منذ العصر الفيكتوري. والآن يصل حجم تجارة الاوركيد العالمية الى حوالي سبعة مليارات دولار اميركي في العام الواحد بجانب تجارة السوق السوداء التي تزدهر من عام لآخر ويتلقى موظفو الجمارك في مطار هيثرو البريطاني تدريبات خاصة بشكل دوري لضبط محاولات تهريب هذا النبات ذي القيمة المادية العالمية، لاسيما في السنوات القليلة الماضية ويأتي هذا الاهتمام بصناعة وتجارة هذا النبات في الوقت الذي يتم فيه اكتشاف مئات من السلالات الجديدة منه في مناطق قصية من العالم عن طريق علماء امثال الدكتور فيليب كريب من مؤسسة الحدائق النباتية الملكية في مدينة كيو والذي وهب حياته المهنية لدراسة وجمع الفصائل والسلالات المختلفة لهذا النبات الجميل. وتعد «كيو» المقر الرئيسي العالمي ان جاز التعبير لنبات السحلبية، حيث لا يوجد مثيل في العالم لتلك المجموعات النباتية الموجودة هناك. وعندما ظهر نبات الاوركيد لاول مرة على السواحل البريطانية في القرن الثامن عشر، كانت ندرته وتكلفة شرائه الباهظة السبب وراء انه اضحى من ممتلكات ومقتنيات الأثرياء والنبلاء دون غيرهم من افراد الطبقات الاخرى من الشعب وكان مقتنو هذا النبات يتنافسون فيما بينهم على شرائه والحصول على اكثر الفصائل ندرة وقيمة، وكانت تحدث بينهم منافسات حامية الوطيس، وصلت درجتها الى ان قام احدهم ويدعى هاينريتش رايشنباخ، الذي يعرف بانه اقتنى سلالات من السحلبية اكثر من اي فرد آخر بالعالم، بكتابة وصية قبل مماته يطلب فيها من ورثته ان يظل بستانه مغلقا بعد مماته لمدة 25 عاما حتى لا يستطيع منافسوه التعرف على ممتلكاته ومقتنياته من هذا النبات. وكان اصحاب البساتين والمهتمون بعلم النبات في العصر الفيكتوري لا يمانعون في التضحية بحياتهم في سبيل الحصول على اكبر قدر ممكن من هذا النبات النادر، حيث كانوا يذهبون الى كولومبيا ويخوضون مخاطر الحياة البرية واهوالها بما فيها من حيوانات ضارية واجواء صحية غير مواتية من اجل هدف واحد فقط وهو اقتناء هذا النبات النادر، وحدث ان مات الكثيرون منهم في مغامراتهم تلك. ولاشك ان البحث عن الاوركيد في العصر الحديث لا يتسم بقدر الحماسة نفسه الذي كان موجودا ابان العصر الفيكتوري، ولكنه لايزال يحتفظ بقيمته المادية العالية، وقد حدث منذ ثلاثة اعوام ان قام المتمردون الكولومبيون بالقبض على احد مقتني هذا النبات ويدعى توم هارت دايك وصديقه باول ويندر واحتجازهما لمدة تسعة اشهر لتجرؤهما على اقتحام الادغال بحثا عن النبات. وتشير احصائيات حديثة الى ان هناك حوالي 25 ألف فصيلة من السحلبية البرية و200 فصيلة جديدة كليا من النبات يجرى اكتشافها كل عام، ويقول العلماء ان السر وراء هذا التنوع الذي يتمتع به هذا النبات هو ان الاوركيد يتمتع بقدرة نادرة قلما تتواجد في اي كائن حي على التأقلم على عدد كبير للغاية من البيئات ابتداء من البيئة القطبية وانتهاء بالغابات المطيرة الاستوائية، حيث يمكن للنبتة ان تنمو على الارض وعلى الاشجار وحتى في الطبقات تحت الارضية. ويشير الاختصاصيون الى ان نبات الأوركيد ربما يحتوي على قدر من الزهور يفوق اي عائلة نباتية اخرى، ويفسرون ذلك بأن هذه النبتة تختار بدقة وعناية غير عادية اي الحشرات التي تقوم باجتذابها من اجل ان تلقحها. ويوضح العلماء انه من اجل ان تجتذب الحشرة الصحيحة، فان نبات الاوركيد يقوم باستخدام مجموعة من الحيل والاساليب الخداعية، حيث تتفرد كل فصيلة من النبات بأسلوب معين لاجتذاب الحشرة لاتمام عملية التلقيح والتزاوج. هذا التفرد الذي تتمتع به كل فصيلة يضفى على النبات قدرا هائلا من التنوع والجاذبية يروق للمقتنين وعلماء النبات وهواة هذا النبات الفريد من نوعه وطبيعته. ولا يعتبر نبات السحلبية من النباتات سهلة التربية منزليا حيث ان تكاليفه عالية ويحتاج لمتابعة علمية دقيقة، لذا توصى كاثى كينج، مديرة مشتل السحلبية في كيو بأن يبدأ الشخص الذي ليس له خبرة كافية بالنبات المهجن حيث ان تكلفته اقل وينمو بشكل اسهل من النبات الاصلي. ويوصى الخبراء بان عملية تربية هذا النبات تتطلب قدرا كبيرا من الدراسة واستشارة الخبراء لاسيما وان النباتات تموت في احوال كثيرة من فرط اعتناء الشخص بها، لذا فان الامر لا يقتصر على الاهتمام الشخصي وحسب، ولكن الاهتمام يجب ان يصقله العلم في هذا الصدد. حاتم حسين