الاحد 15 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 16 فبراير 2003 الصين اليوم تسبح في نهر من الفوانيس، ومع غروب الشمس تبدأ مراسم الاحتفال بأولى مناسبات السنة القمرية الجديدة وهي مناسبة «يوانشياو جيه» التي اصطلح على تسميتها بعيد الفوانيس والتي تصادف يوم الخامس عشر من الشهر الأول من العام الصيني. ويعود تاريخ الاحتفال بهذا العيد الى عهد الملوك الثلاثة الذين حكموا الصين خلال الفترة من (220 الى 265م) حيث كان الناس يحيون الملك بالسير طوال الليل في الميادين والشوارع والحارات حاملين في أيديهم الفوانيس والمصابيح والقناديل المضاءة بالشموع بحيث يمتزج ضوء القمر المرسل من السماء مع الأضواء المنبعثة من الأرض فيخبو ظلام الليل تدريجيا حتى يضاهي النهار اشراقا وضياء. على أن القرابين في ذلك العيد ليست ذبائح كالمعتاد بل هي فطائر مستديرة الشكل مصنوعة من دقيق الأرز ومحشوة بالبرقوق والمكسرات ومسقية بالحساء المغلي وتعرف باسم فطائر«تانغ يوان» وتعني بالعربية «الكرات الطافية في الحساء». وبغير الفوانيس المضاءة وقرابين الفطائر لا تستقيم ولا تكتمل طقوس الاحتفال بذلك العيد حيث يرتبط كغيره من سائر الأعياد الصينية الأخرى بالأساطير الخالدة التي تشكل بدورها جوهر الثقافة الصينية. ولعل الشهرة العريضة التي نالتها الفوانيس الصينية في مختلف دول العالم تعزى أساسا الى خبرة الصين الطويلة في هذا الصدد والتي اكتسبتها عبر آلاف السنين منذ أصبحت الفوانيس شعيرة أساسية للاحتفال بذلك العيد، وبمرور الأعوام تطورت تلك الصناعة وتبارى الحرفيون المهرة في انتاج تصميمات غير مألوفة وبخامات غير معهودة، حيث استخدموا التقنيات الحديثة والتكنولوجيات المتقدمة فيما حافظوا على التراث الصيني بكل أصالته وعراقته. فإلى جانب الفوانيس التقليدية المصنوعة من الزجاج الملون تنتج الصين اليوم فوانيس من مختلف الخامات، البلاستيك والألمنيوم وخشب البامبو والورق المقوى غير قابل للاحتراق وقرون الحيوانات وأغصان الشجر وسيقان القمح وألياف البولي ايستر، بل حتى الثلوج أصبحت اليوم تستخدم في صناعة الفوانيس وان كان ذلك النوع لا يزال انتاجه مقتصرا على مناطق شمال شرق الصين حيث يحتاج الى براعة خاصة. كذلك يحرص الصينيون على تنويع أشكال الفوانيس عاما تلو الأخر. فهناك الآن فوانيس مصممة على شكل زهور اللوتس والقرنفل و«الفوانيا» المعروفة بعود الصليب، وأخرى على هيئة حيوانات التنين والضفدع والقرد، وثالثة على شكل طيور الكركي والطاووس ، ورابعة تتخذ شكل أسماك الشبوط والدولفين، وخامسة تصور شخصيات تاريخية صينية ذائعة الصيت وفي مقدمتهم بوذا وكونفوشيوس وماو وهذا النوع الأخير هو أغلاها ثمنا حيث يكون مزودا بتسجيلات صوتية لعبارات مأثورة لتلك الشخصيات، وان كان لا يلقى رواجا خارج السوق الصيني. ولإضفاء المزيد من البهجة على العيد انتشر مؤخرا نوع من الفوانيس محفور على أسفلها مجموعة من الألغاز والفوازير، من ينجح في حلها يفوز بجوائز مادية وعينية قيمة، في ظاهرة تعكس في واقع الأمر العادة التي كانت متبعة في الأزمان السحيقة حيث كان أفراد حاشية الحاكم يؤثرون التلميح (بدلا من التصريح) في التعبير عن آرائهم وعرض مقترحاتهم ونصائحهم. ذلك هو عيد الفوانيس، وهو بمثابة رسالة سلام توجهها الصين الى العالم وتجددها سنويا مع حلول ذلك العيد، وفي ظل الظروف الدولية الراهنة تبقى الرسالة الصينية عظيمة الأهمية. ـ أ.ش.أ