الجمعة 13 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 14 فبراير 2003 في الرابع والعشرين من شهر يناير الماضي، كان اركي ليكانين، المفوض الاوروبي لجمعية المعلومات والمشاريع يناقش ادق تفاصيل مكافحة الجريمة الالكترونية خلال جلسة تداول عامة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. وبعد أقل من 24 ساعة اعلن المسئول نفسه عن احدث هجوم الكتروني في الفضاء الحاسوبي، رجال الصناعة من الوزن الثقيل من أمثال ريتشارد لي رئيس مجلس ادارة «باسيفيك سنتشري سايبرودكس» التي تعتبر من اكبر شركات الاتصالات والنطاق العريض في آسيا اصغوا مشدوهين فيما وقف ليكانين في مأدبة غداء خلال قمة دافوس وقرأس الخبر الذي ومض على شاشة هاتفه المتحرك: «دودة انترنت سريعة الانتشار تدعى «سلامر» بدأت تعيث فسادا في الفضاء الحاسوبي. وادى الهجوم الذي بدأ في حدود الساعة الخامسة والنصف صباحا بتوقيت غرينتش في الـ 25 من يناير الى ابطاء حركة الانترنت في جنوب افريقيا واليابان واعاقة شبكات البطاقات الائتمانية وماكينات الصراف الآلي في الولايات المتحدة وايقاع الفوضى في حركة الاتصالات الهاتفية في فنلندا، مفسداً حوالي 700 ألف سيرفر انترنت بحلول نهاية الاسبوع. والى ان تم احتواء المشاكل التي تسببت بها الدودة «سلامر» بعد حوالي خمسة ايام، كان الهجوم قد كلف الاقتصاد العالمي حوالي مليار دولار على شكل ضياع في الانتاجية وفرص المال والاعمال. ان الهجوم الالكتروني الاخير، الذي يقول الخبراء انه اكثر عدوانية من دودة «الشيفرة الحمراء» التي ضربت الانترنت خلال صيف 2001، يسلط الضوء على مدى قابلية تأثر الحكومات والشركات الكبرى بالتهديد المزدوج للجريمة الالكترونية والارهاب الالكتروني. وتقدر شركة «مي 2 جي» البريطانية المتخصصة في الامن الحاسوبي ان هجمات الديدان والفيروسات والقراصنة تسببت بأضرار اقتصادية تتراوح ما بين 44 و 55 مليار دولار في سنة 2002 وحدها. وتتنبأ الشركة بأن الأضرار الاقتصادية من مختلف انواع الهجمات الرقمية في عام 2003 قد تصل الى 100 مليار دولار. وقال اندريه كودلسكي، الرئيس التنفيذي لمجموعة كودلسكي التجارية السويسرية والذي اشترك في جلسة مناقشة الارهاب الالكتروني في المنتدى الاقتصادي العالمي: «الناس لا يدركون أننا في حالة حرب فعلية. وتقوم شركته بتصميم برمجيات وبطاقات «الدخول المشروط» التي تسمح لمشغلي شبكات التلفزة الرقمية بفرض رسوم على مشاهدة برامجها ومنع سرقة اشاراتها. والقراصنة لا يحاولون فقط فك شيفرات منتجاته، بل يحاولون اختراق شبكات الكمبيوتر الخاصة بشركته عشر مرات في اليوم على مدار ايام الاسبوع» حسب قوله. وخلال الشهر الماضي أحصت «مي 2 جي» حوالي 19500 حادثة سطو رقمي ناجحة بالمقارنة مع 16000 حالة شهر اكتوبر الماضي. وكان هناك اجماع في دافوس على ان الاسوأ في عالم الجريمة الالكترونية لم يحدث بعد. لطالما عبر المسئولون الحكوميون ورؤساء الشركات الكبرى على مدار السنوات السابقة عن مخاوفهم من وجود حوالي 10 آلاف شخص في أنحاء العالم يمتلكون من البراعات التقنية الرقمية ما يكفي لاختراق الشبكات. وهذه المجموعة التي يكتنفها الغموض تضم بين صفوفها موظفين مستائين ومتحمسين حاسوبيين مثل المراهقين الذين يخترقون الشبكات من أجل المتعة، ومتشددين وارهابيين يهدفون لاحداث اضرار متعمدة وجماعات ارهابية ومحتالين يستخدمون الانترنت لاختلاس المال واسرار الشركات الكبرى. لكن اليوم ارتفع عدد المخربين المحتملين الى عشرة اضعاف ما كان عليه في السابق وذلك لأن الادوات المؤتمتة التي يستخدمها العديد من القراصنة تسهل على الاشخاص الذين يمتلكون براعات تقنية محدودة باحداث دمار واسع النطاق في الفضاء الحاسوبي. وتقدر «مي2 جي» بأن جيشا من 100 ألف شخص قادر الآن على استخدام مثل هذه الادوات. ويقول دي كيه ماتاي، المدير التنفيذي للشركة: «في الشهور القليلة المقبلة، قد تبزغ نسخ معدلة من الدودة سلامر قابلة للاستخدام من قبل المتطرفين الى جانب هجماتهم على أرض الواقع. وسيكون لذلك أثر مضاعف نظرا لعدم استعداد مجتمع الشبكات العالمي». وذكرت تقارير ان سجلات الكمبيوترات التي طبقتها القوات الاميركية في افغانستان الصيف الماضي اظهرت ان اعضاء في القاعدة امضوا وقتا طويلا في تصفح المواقع التي تقدم برمجيات وتعليمات برمجية عن القواطع الرقمية التي تتحكم بشبكات الطاقة والماء والنقل والاتصالات. وقد استخدمت القرصنة الرقمية فعلا لاحداث دمار بيئي. ففي عام 2001، أودع قرصان الكتروني السجن لقيامه باختراق الشبكة الحاسوبية لمصنع لمعالجة مياه الصرف الصحي في كوينزلاند باستراليا وتسببه عمدا في اطلاق آلاف الالتار من مياه المجاري الى الأقنية المائية العامة. ويجادل الخبراء بأن على الحكومة وقطاع المال والأعمال العمل معا من اجل ايجاد اطار راسخ للأمن الرقمي، لأن الحكومة لا تمتلك القدرة على مراقبة وتنظيم الانترنت والقطاع الخاص لا يستطيع التوصل الى حل بمفرده. وقال اركي ليكانين في قمة دافوس ان الاتحاد الأوروبي يخطط للاعلان عن اقتراح لانشاء وكالة لأمن المعلومات والشبكات الأوروبية. وستقوم الوكالة بجمع وتحليل البيانات عن المخاطر المنبثقة والمساعدة في بناء نظام انذار مبكر للهجمات الحاسوبية على المستوى الأوروبي. من جانبها تدرس الحكومة الأميركية انشاء مركز مراقبة على مستوى شبكة الانترنت بأكملها يدعى «النظام المعلوماتي العالمي للانذار المبكر» لرصد أي شذوذات مريبة في حركة الانترنت. وفي غضون لحظات من رصد اي هجوم الكتروني، تستطيع الوكالة الحد من الاضرار المحتملة عن طريق ارسال تعليمات فورية لمزودي خدمات الانترنت باغلاق مرافئ العبور الرقمي الى بلدان معينة. ويقول الخبراء ان مثل هذه الخدمة قد لا تتوفر قبل عامين على الأقل من الآن. وفي حين ان التقصير الواضح من جانب الشركات في تحديث برامجهما الامنية وتحميل رقع الحماية لسد الثغرة الأمنية المعروفة في سيرفر «اس كيو ال» لعب دورا كبيرا في تسهيل المهمة التخريبية للدودة سلامر، فان الشركات لن تنعم ابدا بأمن حاسوبي مستتب طالما ما زال باستطاعة القراصنة التخفي وراء قوانين حماية الخصوصية الفردية التي تمنع السلطات من تعقبهم. والى ان يتم حسم موضوع الدور الحكومي قضية الخصوصية الفردية الشائكة قررت العديد من الشركات الكبرى التعاون لأخذ الامر على عاتقها، فقد انضمت نحو 250 شركة كبرى من انحاء العالم تحت لواء مجموعة مقرها في بريطانيا تدعى «منتدى الأمن المعلوماتي» تقدم لاعضائها ارشادات حول حماية أمن شبكاتهم. ومع ذلك كله، هناك شعور قوي هذه الايام بأن خطر الهجمات الالكترونية قائم ومتزايد مهما فعل العالم لتفاديه. ويختزل المدير التنفيذي لشبكة «سويفت» المالية ما شعر به الكثيرون في المنتدى الاقتصادي العالمي هذه السنة بقوله: «لم اكن قط أكثر أمنا مما انا عليه اليوم. لكنني اشعر انني اكثر عرضة للخطر من أي وقت مضى. علي محمد