الجمعة 13 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 14 فبراير 2003 في الحادي والثلاثين من أكتوبر عام 1994، سقطت طائرة ركاب تعمل بمحرك دفع طوربيني كانت متوجهة الى شيكاغو في حقل لفول الصويا في روزلون بولاية انديانا الأميركية. وقتل جميع الركاب الذي كانوا على متنها والبالغ عددهم 68 شخصاَ، ومع ان الطقس كان بارداً ذلك اليوم، الا انه لم يستطع أحد ان يصدق ما يسمعه عندما كشف المحققون ان التحطم نجم عن تراكم الجليد على الجناحين. ان هذه الطائرة الحديثة لم تكن تحتوي على نظام لازالة الجليد في حالة تشغيل كاملة فحسب، وانما وفقاً لمعايير لادارة الطيران الفيدرالي الاميركية، فان الطائرة الفرنسية الصنع ايه تي آر ـ 72 ما كان ينبغي ان تواجه مشكلات في التحليق في الاجواء الباردة او ظروف الرطوبة. وحتى أن الطيار ومساعده عرفوا ان الجليد يتراكم على طائرتهم وحاولوا ازالته باتباع الاجراءات الخاصة بازالة الجليد حرفياً. وفي الواقع انه كانت هناك حوادث تحطم متعاقبة تعرضت لها الطائرة ايه تي آر ـ 72 وطائرات مماثلة تعمل بمحرك دفع طوربيني بسبب الثلوج الكثيفة ـ في ظروف تقول كتيبات الارشادات ان من المفروض على الطائرات ان تكون قادرة على التعامل معها. ففي عام 1978، على سبيل المثال، تحطمت طائرة ايطالية من طراز ايه تي آر ـ 72 بعد تراكم الثلوج عليها في ظل عاصفة ثلجية. وبعد عقد من ذلك التاريخ، تحطمت طائرة ركاب أخرى تعمل بالمحرك ذي الدفع الطوربيني ـ وهو من طراز امبراير 120 تشغلها شركة الطيران الاميركية كومير، بالقرب من مونرو بولاية ميتشيغان بعد أن بدأ الجليد يتراكم على جناحيها، مما ادى الى مقتل 29 شخصاً، هم جميع من كانوا على متنها. وفي مارس الماضي، واجهت طائرة اخرى من طراز امبراير 120 كانت عائدة من جزر البهاما تراكم الجليد وبدون انذار بدأت بالانحدار الى الاسفل قبل أن يتمكن الطيارون من استعادة السيطرة عليها. وفي ديسمبر 2002، سقطت طائرة من طراز ايه تي آر ـ 72 في مضيق تايوان مما ادى الى مقتل طاقمها، والمشتبه فيه الرئيسي هو الجليد. اذن هل يعتبر التصميم الخاص بهذه الطائرات التي تعمل بمحرك الدفع الطوربيني معيبة بشكل أو بآخر؟ ان المجلس الوطني لسلامة النقل، وهو الهيئة التي تتولى التحقيق في حوادث تحطم الطائرات في الولايات المتحدة، لا يساوره الشك بوجود مشكلة معينة. وفي سبتمبر الماضي، قام بتحديث النتائج الاصلية في تحقيق روزلون ملقية بجزء من اللائحة بعيداً عن الجهة المصنعة للطائرة ومؤكدة على دعوتها الاهلية لادارة الطيران الفيدرالي لكي تقوم بمراجعة شاملة لمعايير التصميم التي يتعين على الطائرة تلبيتها من اجل منحها ترخيص بالتحليق في اجواء مثلجة. وتعتمد المعايير الحالية على بيانات تم جمعها قبل 50 عاماً. وعلى الرغم من انه كانت هناك بعض التعديلات على التصميم والقيود التشغيلية، الا ان الطائرات المزودة بمحركات الدفع الطوربيني استمرت في السقوط من الجو. ويبدو ان الثلوج والاقطار المتجمدة هي اخطار اكثر تعقيداً مما يعتقد أي شخص. ان جميع مصممي الطائرات الذين يتعين عليهم مواجهة المشكلة مطلعين تماماً على التحدي الذي يمثله تراكم الثلوج، فالكثيرون منهم يعملون في مجال تصميم طائرات الركاب منذ 40 عاماً على الاقل، ويتعين على المصنعين ان يثبتوا ان طائراتهم قادرة على الطيران بأمان في ظروف باردة ورطبة حيث يمكن ان يتشكل الجليد عليها. وفي الولايات المتحدة، تحدد هذه الظروف بموجب الملحق «ج» الخاص بادارة الطيران الفيدرالي، الذي يحدد انواع الطقس البارد التي يتعين على الطائرة ان تكون قادرة على التعامل معها. وفي صميم الملحق «ج»، تكمن حقيقة أن الماء في السحب غالباً ما يكون على هيئة قطرات باردة جداً وغير مستقرة حرارياً وديناميكياً. وتبقى قطرات الماء المبردة جداً في الحالة السائلة مع انها قد تكون دون درجة الصفر المئوي، وعندما تقتحم طائرة باردة هذه السحب وتلامس قطرات الماء جناحيها أو ذيلها، فانها تتجمد وتتحول الى حالة الصلابة. ويمكن ان تتكون طبقة كثيفة من الجليد بسرعة، وعادة ما يكون ذلك على طول الطرف الامامي للجناح وسطح الذيل الافقي والدفة والتأثير الذي يحدثه الجليد هو المقاومة (الاحتكاك) وتخفيض الارتفاع ويمكنه ان يجعل الطائرة تسقط مثل حجر. والحل المفضل لهذه المشكلة هو تركيب معدات لازالة الجليد مباشرة في الاطراف الامامية للجناحين والذيل. وهذا يتضمن استخدام اجهزة تسخين أو في حالة الطائرات المزودة بمحركات دفع طوربيني، اكياس مطاطية يمكن نفخها لازالة الجليد المتراكم. غير ان المعايير الخاصة بالطقس البارد والواردة في الملحق «ج» كانت قد وضعت في الخمسينيات، وهناك ادالة متنامية على أن ظروفا معينة يمكنها ان تطغى على الطائرة بسرعة حتى لو كانت تحتوي على أجهزة لازاحة الجليد. وبسبب الحوادث المتكررة للطائرات والناجمة عن تراكم الجليد على الاجنحة والذيل، تم اجراء دراسات عديدة وعمليات محاكاة اختبارية على الارض وفي الجو للتوصل الى حل يزيح هذا الكابوس عن كاهل الطيارين، وبالرغم من بعض التحسينات التي تم ادخالها على أجهزة ازاحة الجليد، الا ان المشكلة لاتزال قائمة في انتظار حل نهائي وحاسم. ضرار عمير