الخميس 12 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 13 فبراير 2003 يحاول الشاعر العراقي الشاب مدين الموسوي في مجموعته الشعرية الخامسة التي صدرت مؤخرا بعنوان «للريح.. والرماد» ان يسبر اغوار وطنه وامته وشعبه اكثر فأكثر، منقبا عن مزيد من الحزن الخام. يقول ان لا تناقض في عنوان الديوان «صحيح ان الريح تنثر الرماد فلا يعود، لكننا نحن لسنا رمادا، بل جمرا» ويضيف قائلا «أوثق بشعري لمرحلة مبهمة وغامضة ومظلمة لاناس يعيشون خارج مرمى البصر، هم اكوام من البشر الملغيين من التاريخ، لقد كتبت عنا نحن الذين على اكتاف العاصفة، بعثرتنا الرياح والتقينا في المنافي، وجعلت لهيب نارها يحول احلامنا وامانينا الى رماد، لكن رغم ذلك فإنني واحد من هؤلاء، ومعهم في ان رغم كل ما اصابنا وقد يصيبنا، فاننا لن نكون سوداويين، ولا متشائمين»، الفرح؟ يتساءل الموسوي: «نعم موجود وغير موجود معا، لا تشعر به الا بالوجع، كلما زاد وجعك ارتفع فرحك». الحزن؟ يضيف: «نعم، نحن في حزن لا ينقطع، اسبوع واحد امضاه نزار قباني في المربد ثم سارع ليتحدث عن الحزن العراقي، فكم يمكن ان نتحدث عنه نحن العراقيون؟ فالحزن والعراق توأمان يموت العراقي ويبقى حزنه ارثاً لابنائه واحفاده، فيتناوبون على نقله من جيل الى جيل». مدين الموسوي شاعر ات بفرح كبير من الموروث المحفوظ، من امانة الاباء والاجداد بأن لا يفارق الحزن العراقي، ولا العراق يوماً، وفي بعض الاسئلة التالية واجوبة الشاعر الموسوي كم هائل من الحزن لكم مماثل من الحياة والفرح. الريح بعثرت رماد احلامنا ـ ثمة تناقض يشي به عنوان ديوانك «للريح.. والرماد» فحيث هناك ريح لا مجال لوجود رماد مصيره التطاير والتناثر، والعكس صحيح، فحيث الرماد لا عبور لريح او مرور، ما المقصود بذلك؟ هل مجرد كلمتين اردت «التلاعب» بهما لا يحاءات ثابتة غير متناقضة؟ ـ ابادر الى القول ان كتابي الجديد هو مجموعتي الشعرية الخامسة، واردت بها، وبشعري عامة ان يوثق مرحلة مبهمة وغامضة، ومظلمة في قيادة امة وشعب وناس يعيشون خارج مرمى البصر. منذ بدايات تشكيل الوعي ومخاضات الشعر الاولى، وجدت نفسي في مهب العاصفة، وعلي ان اتشبث بالارض، وبجذوع الشجر، وبأعمدة الكهرباء، وبارادة موروثة كي ابقى ثابتا وراسخا في زمني ومكاني. رافقت هذه العملية من الصراع كل مراحل الوعي ونشوء الذاكرة ونضوجها، حتى وجدت نفسي في مجاهل الغربة وصحرائها ومتاهاتها المترامية، وهي اكوام من البشر المنتسبين والملغيين من التاريخ، اردت ان أولّفهم واثبتهم في ذاكرة الزمن، ولم اجد شاهدا عادلا على هذه المحاولة الا سلطة الشعر، وحاكمية الشعر، فكانت القصيدة صوتي، وصورتي، وصراخي، ولوحتي التي ادون بها هذه الكارثة، انا من الهامشيين على حافة التاريخ، كنا على اكتاف العاصفة تدور بنا في هذا العالم دون ان نصطدم بجدار راقٍ، او بحزام اخضر يريحنا من مهب العاصفة ومن جنون الريح لست سوداويا ولا متشائما، عندما اكتب عن هذا الضياع، ولكن الريح بعثرتنا والقتنا في المنافي المهملة التي واجهتنا بنارها ولهيبها لتحول طموحاتنا واحلامنا وامانينا الى رماد، هذه القصائد كانت تدوينا لكل مراحل الكارثة، فاجتمعت الريح مع نقيضها الرماد لتشكل لوحة جديدة امام هذا العالم الذي لا يرى جيدا. نحن جمر لا رماد ـ وهل يحتاج رماد احلامنا الى عواصف لتبعثره، وهو الذي بات يتطاير عند أقل نسمة هواء؟ ـ نحن لسنا الرماد، بل الجمر الذي يغطيه الرماد، اعتقد ككاتب لهذا التاريخ من خلال القصيدة، ان الجميع ارادوا ان يطفئوا هذا الجمر، وان يحجبون بهذا الرماد، اريد ان اوصل رسالة الذين لا صوت لهم، الى من يريدون ان يحولوا جمر العراق الى رماد، فالقصيدة وحدها قادرة على ان تنفخ في هذا الرماد، وهي وحدها القادرة على كشف تأجيج الجمر، لذلك احتكمت اليها. ـ في مجموعتك الشعرية الاولى: «الجرح يالغة القرآن»، كيف تصور هذا الجرح؟ ـ كان عمري 24 سنة عندما صدرت هذه المجموعة، وهي محملة بالصمت، ومحتفية بالأسى والكبت، فأول كلمة اطلقتها عندما استطعت الكلام هي ان اصرخ بجرحي، وان اشكو من هذا الجرح، وان استنهض عروبتي التي لا تنطق بلغتها الصامتة والمتفرجة على هذا الجرح، فاطلقت صرختي، الاولى من هذا الجرح، واستعنت باللغة التي لم تساعدني على كشفه، فصرخت: «الجرح يا امتي، ياعروبتي، يالغتي، يالغة القرآن». متى بلوغ الفرح؟ ـ لكل سؤال لديك جواب يوصل الى الوجع والاسى، اما من سؤال يوصلك او تصل معه وبه الى الفرح؟ ـ انا مثخن بالجراح، انني جسد محمول على طبق من الجراح، واية يد تمتد الى جانب من جسدي ستثيرها اكثر، وسينز منها الدم، وسأصرخ، وسأبكي، ولكن متى تحول وجعي الى فرح؟ ان شعوري بالوجع هو الفرح، لانني احس انني لا أزال اشعر بهذه الحياة، رغم محاولات الاغتيال والقتل، فأنا مازلت حيا، لذلك يشعرني وجعي بفرحي بهذه الحياة. ـ هل تعتبر ان حزنك هو امتداد عام للحزن العراقي الموروث، هذا اذا افترضنا انك خارج حصار العراق والمنفى؟ ـ عندما جاء «الشاعر العربي الراحل» نزار قباني الى المربد، وتكلم في قصيدته عن الحزن العراقي، فاعتبره بعضا من جراحه، ففوجئنا نحن في العراق، فقلنا ان اسبوعا واحدا لنزار قباني في العراق اشعره بكل هذه الجراح، فماذا يقول العراقي؟ وما اذا ابقى له نزار قباني. الحزن في العراق من عمر النخيل فيه، والفرات، عبارة عن دماء تجري في عروق الرضيع حين يتناول غذاء امه، وينزل معنا في اكفاننا الى القبر، الحزن والعراق توأمان يعيشان معا، لكنهما لا يموتان معا، يموت العراقي ويبقى حزنه ارثاً لابنائه واحفاده الذين يتناوبون على حمله. ـ لا شك ان الحزن يمثل عصارة شجرة تثمر دائما، فكيف اثمرت لديك؟ ـ لم اجد امة تفرح بحزنها اكثر من فرح العراقي بحزنه، هذا الحزن اشبه بالبركان الذي يستخرج منه الالماس والاحجار الكريمة التي لا نظير لها، لذلك كانت العبقرية والابداع والشعر وقفا على ابراج بابل، قرية حيكور، ومنائر النجف العراقي، الرجل يغني بدموعه، والعراقية تزغرد بصراخها لترسم لوحة تراجيدية فريدة في عالم الابداع والفن البشري، وفي ذلك اقول: وكثير من البكاء غناء وكثير من الغناء بكاء. ـ للمنفى دور كبير في شعرك، لكن اين تجلت مظاهره وبصماته فيه اكثر؟ ـ المنفى كان غابة واسعة، ضعت فيها عشرين عاما، وحتى هذه اللحظة لم اجد نفسي، ومازلت ابحث عن جسد حملته معي، وعن روح طفت بها بحار العالم وجباله وصحاريه، اتصفح الوجوه واسألها عن ذاتي المفقودة، فالمنفى شتتني وضيعني، وجعلني دائم البحث عن جسد يسميه الاخرون مدين الموسوي، وعن روح لم اعثر لها حتى الان على ما يناسبها من اسماء. ـ طاردت المنفى وقساوة الغربة والبعد عن الوطن، اين صار الوطن عندك؟ ـ منذ ثلاثة وعشرين عاما وانا احمل وطني على كتفي لابحث عمن يصلبني عليه، احمله واطوف به هذا العالم، اكتشفه امامهم، اقربه من عيونهم، وانشره على حبالهم، واعرضه على ارصفتهم، لعلهم يدركون ان هناك وطنا بكامل ابنائه يُذبح كل يوم. عندما يرافقني وطني لا اشعر بالوحشة، ولا ينتهي تعبي، ورحلتي الشاقة معه، الا بعد ان اعيده على عرشه وكبريائه وعنفوانه، ثم امسح تراب الرحلة الشاقة والغربة البعيدة، او انصحه بمياه الفرات ليستعيد عافيته ووعيه وارادته. ـ المكان ذلك المرتكز اين هو في شعرك؟ ـ كل مكان يحمل معلما او سمة، او طقسا، يذكرني بهذا الوطن ويعيد تشكيله امامي، لابد ان اترك عليه بصمات القصيدة، اوان اوقف علاقته بملامح العراق، المكان الذي ليس فيه نخلة، او ساقية، او كوخ، او رائحة تنور هو مكان غريب بالنسبة اليّ. ـ اين تقف البيئة التي تعيش فيها من مجموعاتك الشعرية الخمس «حتى الان»؟ ـاريد ان استشهد بقول لاحد الشعراء في العصر العباسي، ومع انه سبقني بمئات السنين، لكني التقيت معه، وهو يقول في بغداد: طرقت ابغي لبغداد وساكنها مثلاً وذلك شيء دونه اليأس هيهات بغداد الدنيا باجمعها عندي وسكان بغداد هم الناس فهذا الذي لم يعثر على بغداد واهلها، الا فيها جعلني اواصل مرحلة شاقة ومتعبة دون ان اعثر على بغداد، وهذا الشاعر لايجد اناسه الا في بغداد، وهي ليست المنطقة الجغرافية التي تحمل اسمها، بل الروح والرئة والقلب الذي لا يتوقف عن النبض، حتى وهو في الاقبية السوداء هذه البيئة شدتني اليها، وقهرتني بحبها وبعشقها الى درجة يستحيل معها ان انساها، رغم كل التعاويذ التي كتبها لي الصالحون. فضلات شعرية! ـ يلاحظ انك منحاز الى القصيدة العمودية دون غيرها الا تلفتك القصيدة الحديثة، اين انت من تجربتها او تجريبها؟ ـ هذا السؤال كنت اوجهه للقصيدة المنتحلة والدخيلة والمتطفلة التي البسها الاخرون ثوب الزفاف والعرس لتدخل مملكة الشعر، لكنها بدت على حقيقتها كئيبة الوجه، ممسوخة، وهزيلة من حيث لم يسمح لها حراس القصيدة العربية بالنفاد الى مملكة الشعر، كنت اتساءل: كيف ستصمد هذه القصيدة امام عنفوان وشموخ وقامة القصيدة العربية التي تحدث الزمن؟ وهنا لا اريد ان اتهمن قصيدة التفعيلة او الحرة من الوزن والقافية والحاملة لايقاع الشعر، وجرسه وبراءته البدوية، فهذه القصيدة إجلها واحترمها واكتبها بلذة وفرح كمن يقابل عشيقته بعيدا عن عيون الاخرين وفضولهم، لكنني استهجن ما يطرح تحت خيمة الشعر العربي من فضلات شعرية تلوث نزاهة القصيدة وبراءتها وعفافها وطهرها. ـولكن للصورة الشعرية اهمية ولا يمكن الاستهانة بها؟ ـ الى هذا الحد نحن لا نختلف، الصورة الشعرية هي قوام القصيدة ورهافتها وفتنتها التي لا تقاوم، ولكن عندما تكون هذه هي حجة العاجزين عن تقديم القصيدة بضوابطها وشروطها، فنحن لسنا مع العجز، هؤلاء الذين قصروا القصيدة على الصور الشعرية هم العاجزون عن ايقاعها ووزنها واعطائها فرصتها للبروز بكل فتنتها الخارجية والداخلية. ـ باختصار مفيد اخيرا، وصريح: اية امرأة هي التي اوصلتك الى القصيدة؟ ـ سأكون صريحا، ان امرأتي التي تخلق في شعري لم اعثر عليها بعد، وكل هذه الاسماء التي دخلت في بنية القصيدة وليست قناعتها كانت هي: «المرأة المحاولة» لكنها لم تكن «المرأة القصيدة» نفسها. فكما ان القصيدة مبهمة وعنيدة وعصية على الوجود فإن امرأتها لاتزال كذلك مبهمة وعنيدة وغائبة، هو ابهام «من مبهمة» القصيدة ينسحب على ابهام المرأة ـ احاول ان اخلق امرأتي على قياس القصيدة، لكنني لم أتمكن من ان اعرف حتى الان متى تأتي هذه المرأة، ولا كيف؟؟ بيروت ـ وليد زهر الدين: