الخميس 12 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 13 فبراير 2003 قيل: من استطاع ان يبقى طفلاً، فقد استطاع ان يكون شاعراً، وفي هذا القول أسرار لا تخفى على القارئ: اولها ان الشعر يحتاج الى فطرة نقية، وملكة صافية، ونفس تشف وتستشف، وتلهم وتستلهم، وتتصل بالحياة والكون اتصالا هينا لينا، بلا براهين عقلية متكلفة، وطوعيا عفويا بلا فلسفات معقدة. ونفس الطفل من هذا النمط لقربها من الفطرة، وبعدها عن التفكر، ولهذا فهي اقرب الى طبيعة الشعر من عقلانية الكبار. وثانيها ان الطفل لا يقيم وزنا للتقاليد التي تكبح جموح العواطف، وتلجم اندفاع النزوات، فهو سريع الغضب والرضى، سريع الحزن والفرح، يتقلب بين العواطف الانسانية المتضادة غير عابئ بأعراف الراشدين. ولا تستطيع ان تتهمه في تقلبه هذا بالتناقض، لأن احساسه بالحزن او بالفرح رهين لحظة عابرة، لا اسير مواقف دائمة صنعتها السنون الطوال، ولا حصيلة تجارب واقعية قاد اليها التمرس بآفات الحياة ومسراتها. وثالثها ان الطفل لا يعنيه من العمر الا لحظة يحياها. فالزمان عنده لا قبل له ولا بعد، وانما هو مختصر بظرف واحد، وكلمة واحدة هي «الآن». وكلما كبر الطفل كبر احساسه بمعنى الزمان، ونما بين يديه واستطال، وراح يمد مما قبل «الآن» انبوبا يسميه الماضي، ويجري فيه الذكريات، ويمد مما بعده انبوبا يسميه المستقبل، ويخزن فيه الآمال، ثم راح يتنقل بين ذكرياته وآماله تنقل الحديد المحمر بين الماء والجمر. فكلما فكر في آماله التي يلاحقها ولا يدركها اشتد عليه احراق الاخفاق، فاحمر معدنه، ولم يجد ما يطفئه الا الانغماس في جدول الطفولة، فاذا هو يجد راحة بعد تعب، وظلا بعد هاجرة، وريا بعد لواب. ورابعها ان الطفولة حياة بلا معاناة، وحرية بلا مسئولية، اما مراحل العمر الاخرى فهموم وتبعات، وتصاريف وتكاليف، تزداد اعباؤها يوما بعد يوم. والحرية التي تجود بها الكهولة على الانسان أضيق افقا من المجال الذي تتاح له فيه الحركة: حركة التفكير، وحركة السلوك. ولهذه الاسرار التي تنطوي عليها الطفولة تلوذ بها الكهولة، وتستظل بها الشيخوخة، بغية الرجوع الى الفطرة، والراحة، والحرية. روادتني هذه الخواطر، وأنا أقرأ ديوان «اغلى الرسائل» للشاعر الاماراتي سالم الزمر، اذ وجدت في شعره من التوق الى الطفولة، ومن الشوق الى الصبا ما حملني على الظن بأن نفس سالم سلمت من نفعية العصر وماديته، واستطاعت ان تحافظ على نقاء السريرة، وعفوية الاحساس بالحياة والكون، وفطرية التعبير عن التجارب، حتى خيل الي أنه يصبو الى ان يعيش في عالم غير هذا العالم، ويتصل بأجيال خلقت في زمان غير هذا الزمان، ليحيا معها في المدينة الفاضلة التي تصورها الفلاسفة من افلاطون الى الفارابي، وصوروها على النحو الذي تصوروه. ثم عجزت القرون المتعاقبة عن تحويلها من خيال متوهم الى واقع معيش. لو قرأت رسائل الزمر لوجدتها موقعة على نفحات حزينة، لا ادري من اين تنبعث؟ اهي منبعثة من تجارب قاسية مر بها الشاعر أم من ضيقه بمادية الحياة، وقسوة العصر، وطغيان الآلية على الفطرية؟ وغالب الظن عندي ان المادية والقسوة والآلية هي التي صنعت هذا الحزن الرخيم، ولحنت هذه النغمات وعزفتها. وهي التي دفعت الشاعر الى التماس السلوى في براءة الطفولة. وليس لك ان تقرنه بأحمد شوقي وسليمان العيسى في تغنيهما بالاطفال. فشوقي والعيسى تغنيا بالاطفال، وغنيا للاطفال وقصدهما التربية لا الشكوى، والتمتع والامتاع لا التوجع والايجاع. واما الزمر فقد تغنى بالطفولة لا بالاطفال ليزجر الكبار عن آثامهم، ويردهم الى النبل والطهر، وهيهات! وأقسى ما في اغانيه امانيه. فهو يعتقد ان المرحلة الوحيدة الجديرة بأن تعاش هي الطفولة، ويتمنى ان يبارح الحياة متى بارحته الطفولة. ولست اراه على حق، فان لكل مرحلة حسناتها وسيئاتها، وجمالها وقبحها. فلماذا نتوهم ان الماضي احتكر السعادة، وان المستقبل يترصد لنا في مكامن الشقاء؟ ثم لماذا يحملنا هذا التوهم على استعجال الرحيل، ورحيلنا ادق حجزا وسفرا من المواعيد التي تضربها لنا ارقى شركات الطيران؟ يقول الشاعر: ايه يا ذلك الزمان سلام لك مني وفي الصباح رسول يا زمان المنى توليت حتى لا أماني، فالأماني أفول فتنادى بخافقي كل وجد يا معنى متى يحين الرحيل؟ ولما كانت الام ألصق الناس بالولد، واحناهم عليه، واحبهم اليه فان الشاعر خص أمه بقصيدة، يطغى عليها الشجو والشجن، ويغلفها الخوف من المستقبل. قد تقول: ليس في صنيع الشاعر غير الوفاء، وما أكثر الشعراء الذين أكرموا امهاتهم بفرائد القصائد!! فأقول: لو اقتصرت معاني الزمر على البر والشكر والتوقير والتقدير لساويناه بسواه، ولكنه حاور أمة محاورة انطقتها بالشكوى من الغم والهم، وحملتها على الاعتقاد بأن حجم الهم يتناسب طردا مع اعمار الأولاد، كأن الهم والحياة توأمان لا ينفصلان، أو خطان متوازيان لا يفترقان: تنادي يا كبير الهم مرت صغيرات الهموم اللاهيات كبرت وقد كبرن مع الليالي همومك والحياة هي الحياة والشاعر في وصفه تكاليف الحياة في مرحلة الطفولة المرحة بأنها هموم صغيرة يبالغ في التواجد، او يبلغ حد التناقض. فقد سبق ان نعت زمان الصبا بأنه زمان المنى، وحياه فكيف يصف مرح الطفولة بأنه هموم صغيرة؟ هل لي ان اقول: ان نغمة الحزن الشجية اصبحت محببة الى اذن الشاعر، فامتد صداها امتدادا رجعيا من الشباب الى الصبا؟ والدليل على ما ازعم تغزله في موطن اخر بالصبا، وايثاره على عهد الشباب، ثم ايثاره الطفولة على الصبا، اذ قال: لهوى الصبا في المقلتين طلول ورسوم وجد لم تزل وذيول ووددت اني لم اعش عهد الشبا ب ولم يكن لي خافق متبول وبقيت في عهد الطفولة بسمة مجهولة يغري بها المجهول فانظر الى صنيعه، انه يرجح الصبا ثم يجعله مرجوحا، ويؤثر عليه الطفولة ويجعلها الراجحة، ويتمنى لو ان الزمان وقف عندها، فلم يجاوزها. ترى اتأثر بقول الشاعر القديم: رب يوم بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه ام آثر التخفف من اعباء الشباب ومطامحه، فارتد الى الصبا، لانه تذكر ان فيه كثيرا من براءة وهناءة، ويسيرا من عمل وأمل، وبداية لولوج النفس ميدانا جديدا من ميادين الحياة، ووقوفا على عتبة الشباب المثقل بالتكاليف، فخشي ان يسير مع الزمن وفق اتجاهه المألوف، فينقله الى الاكتهال والهرم، حينئذ غير اتجاه السير ليغير اتجاه الانفعال بالحياة. ولما كان الزمان حركة المكان فان السير نحو الجهة المعاكسة لاتجاه الزمن بعيد الشاعر الى مكان بارحه، ويفضي به الى موطن عانقه ثم فارقه، وهذا الموطن هو الحي القديم. فمتى بلغه أحس اصواتا مهموسة مبغومة آتية من وراء الماضي الآفل، تسر في اذنيه كلاما جميلا، يستثير في ذاكرته اغلى الذكريات، ويرسم امام عينيه احلى الصور ويرطب شفتيه بارق القطرات، ويلهم قلبه اروع القصائد، فينسى الشباب وطموحه، والكهولة وهمومها، والاسرة واعباءها، ويخلو الى نفسه، ليرفل في ملاعب الصبا، والى لداته ليشاركهم فيما هم فيه من صخب وشغب، وفرح ومرح. فاذا هو خلق آخر، ونفس اخرى، واذا هو يقول: الوشوشات البيض من عهد الصبا في مسمعي والصحب والافكار وتمر بي صور الزمان حديثها وقع ندي، والرؤى اشعار بك كم مررت وبالسنين اعدها فتشدني بك سدرة تنهار واذا اردنا ان نوفي الموقف حقه، وان نقرأ ما وراء الابيات قلنا: ان حنين الشاعر الى الحي القديم ليس هربا من مكان الى مكان، ولا خروجا من واقع الى خيال، وانما هو نقد غير مباشر لحضارة وعصر ومفاهيم: هو نقد لحضارة طغت مفاهيمها السياسية والاقتصادية المعقدة، ولعصر يسوط ظهر الانسان وجنبه لئلا يسمح له بالتوقف والتأمل، ولمفاهيم وافدة اخذت تزاحم المفاهيم القديمة وتزحمها،وتنافس القيم الروحية وتنفسها، فضاق الشاعر بذلك كله، وعاد الى ما يريح النفس، لا في ظل السدرة المنهارة، بل في ظل الحياة الطبيعية القديمة الخالية من التعقيد والصراع، والقراع في سبيل الظفر بالاطماع. قلنا قبل: ان مفارقة الزمان تقتضي في الاعم الاغلب مفارقة المكان. والآن نعكس طرفي المعادلة، فنقول: ان العودة الى الحي القديم تعني العودة الى الزمان الذي عاشه الشاعر هناك، ثم العودة الى اجمل الايام من هذا الزمان، وهي ايام العيد. وعند صورة العيد في الحي القديم توقف الشاعر، وحاول ان يمسك الارض من قطبيها ليكفها عن الدوران، وعن صنع الليل والنهار والفصول الأربعة. ليتشبث بالطفولة متمنيا لو ان العمر كان قد توقف عندها، فلم يبارحها، ليكون عيده عيدين: اواه يا عيد كم ذكرى تؤرقنا اذا دنوت، وكم تشقى بها الفكر يا ليتنا ما كبرنا يا طفولتنا والعيد ظل منى في العمر تنتظر وبعد، ألم يصب ذلك الناقد الغربي الذي قال: من استطاع ان يظل طفلا، فقد استطاع ان يكون شاعرا؟