الخميس 12 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 13 فبراير 2003 رغم مرور عشر سنوات على تلك اللحظات التي أستعيدها مرارا، الا أنني لا آلف عن معايشتها. كان شهر ذي الحجة يواكب أغسطس، أي ذروة الحر في مكة، في المنطقة، كنت قد أديت طواف القدوم، وكنت تواقا الى الانفراد بالكعبة، كان الوقت عصرا والقيظ رهيبا والحرارة لها لون وسمك في الفراغ، كنت بحاجة الى موضع أتطلع منه الى الكعبة، مازلت أذكر أول مرة رأيتها، كان ذلك عام ستة وثمانين من القرن الماضي اثناء تأدية العمرة، كان ذلك في شهر مارس والمناخ معتدل، والزحام أقل، عند منتصف الليل، كنت أطوف مع عشرات قلائل، لثمت الحجر الأسود مرات بعكس طوافي في الحج والذي كان يتم على مسافة وسط جمع كثيف، للرؤية الأولى هزة في النفس، فمنذ أن تفتح وعيى والكعبة ملمح رئيسي منه، بدءا من أغاني تحنين الحجاج التي سمعتها في بلدتي الجنوبية الصعيدية جهينة، والتي يبدأ النساء في انشادها قبل موسم الحج لإثارة الحنين عند القادرين، والأمل عند المتطلعين، حتى صورتها المعلقة في بيتنا، وفي معظم الأماكن التي سعيت عبرها طفلا وشابا وهرما، من بيتنا في حارة درب الطبلاوي بالجمالية، الى المتاجر المختلفة والفنادق والمكاتب، أما تعلق الوالد، رحمه الله بها وتطلعه الى الطواف بها فانتقل منه الي، وعندما وصلت الى المسجد الحرام، واجتزت الباب المؤدي ورأيتها بالبصر الحسير، طالعتها بعيني أبي الذي رحل إلى الأبدية بدون أن تتحقق أمنيته، أن يراها أن يطوف بها، حضر من خلالي بقوة، ونويت أنه يكون حجي الثاني له، وإن تمنيت لو أنه استطاع الى ذلك سبيلا في حياته الدنيا. عندما وقع البصر على الكعبة، كنت أراها لأول مرة بالبصر، ولكنني عاينتها مرارا بالبصيرة، بالتكوين، بالتطلع، عشتها على البعد، لذلك كانت رؤيتي لها مثيرة لحالة استثارها تجسد ماحلم الإنسان به، وليس مايبعثه التعرف أول مرة عليه، والفرق شاسع. في المرة الأولى، كان المتاح سويعات قليلة لاداء العمرة، وكنت برفقة يصعب الانفصال عنها الا عند اداء الصلاة بين الركن والمقام، لكنني في الحج كنت اطوف بصحبة زوجتي، وكانت مستغرقة في التأمل بقدر استغراقي، كيف الخلوة للنظر الى الكعبة والزحام عظيم؟ صعدنا الى الطابق الثاني، الزحام اقل نسبيا، امكانية الانفراد متاحة بالقياس، وجدت الفرصة أمام عمود قريب من الحافة، أطل على الكعبة مباشرة، تبدو من أعلى مختلفة عن أسفل، يمكن الاحاطة بأكثر من جانب، البيت العتيق مكسو بالقماش الأسود الخاص، المنقوش بآيات قرآنية مذهبة، ومفضضة، حتى بداية الستينيات في القرن الماضي كانت الكسوة تصنع في مصر كان لها دار خاصة في القاهرة القديمة تعرف بدار الكسوة، تضم عمالا مهرة وهبوا حياتهم فقط لتلك المهمة، صناعة الكسوة، كان اعدادها يستغرق عاما كاملا ثم توضع في صناديق تحمل فوق جمل كانت مهمته الوحيدة طوال العام حمل الكسوة، في الماضي كانت تسافر محمولة على الابل، تتقدم موكب الحجاج، لكن مع تطور المواصلات اقتصر سير الجمل على المسافة الواقعة بين القلعة التي كانت مركزا لحكم مصر حتى القرن التاسع عشر، عندما قرر الخديوي اسماعيل نقل المقر الى قلب المدينة بعد بنائه قصر عابدين، بقي من القلعة كمركز بدء موكب المحمل، أي الحج، ومواكب الطرق الصوفية التي ماتزال سارية حتى الآن، كان موكب المحمل يبدأ من ميدان القلعة الذي تغير اسمه مرات عديدة، ميدان صلاح الدين، الى ميدان الرميلة، الى قرة ميدان أي الميدان الأسود لوجود سجن شهير زال بناؤه الآن، كان المحمل يمر من وسط المدينة حتى باب الحديد، حيث محطة القطارات الرئيسية، وهناك توضع الصناديق في القطار المتجه الى السويس حيث الميناء الذي تقلع منه السفن بالحجاج الى جدة ثم الى مكة، ظل ذلك مستقرا حتى ستينيات القرن الماضي، ورغم ظهور الطائرة وانتظامها بين القاهرة والحجاز الا ان سفر الكسوة بالبحر ظل تقليديا ساريا حتى عام واحد وستين، عندما وقع خلاف سياسي بين مصر والسعودية، وكان من نتيجته اعادة الكسوة الى مصر، وعندئذ قرر الرئيس جمال عبدالناصر عرضها في الجامع الازهر، لن أخوض في تفاصيل ذلك الخلاف، ولكنني كما قرأت فيما بعد عرفت من خلال اطلاعي على رسالة علمية اعدها المستعرب جاك جومييه عن المحمل، أن كساء الكعبة، كان الى جانب معناه الديني، ذو دلالة سياسية أيضا، فمن يكسو الكعبة هو القادر على كل المستويات هكذا تخبرنا وقائع التاريخ. أذكر انني أديت صلاة العيد بصحبة الوالد رحمه الله وشقيقاي اسماعيل وعلي، وكانت كسوة الكعبة معروضة على جانب المحراب القديم، الداخلي للجامع الازهر، لقد أتيح لي أن ادخل دار الكسوة في الخرنفش منذ ثلاثين عاما، كان المقر مازال قائما، لكن مضمونه اختلف. لقد سافر الفنانون المصريون المهرة الذين توارثوا صناعة «الكسوة» وتطريزها للعمل في السعودية، وأصبح المكان أشبه بمخزن للتحف الدقيقة التي تتبع وزارة الأوقاف، لا أذكر الآن سبب زيارتي للمقر، لكنني أرى جيدا بذاكرتي مرايا نقية مؤطرة، وشمعدانات، وأطباق من خشب وأخرى من نحاس، أما الأنامل الدقيقة التي عملت هنا لأجيال متعاقبة فقد اختفت. مازلت أذكر رؤيتي موكب المحمل، يصعب على تحديد السنوات، واللحظات لكنني مازلت أعي البهجة والألوان الجميلة للمحمل مثلث القمة والذي كان يحوي الجزء الرئيسي من ستارة الكعبة، هذه اللحيظات كلها تداعت الي اثناء سكوني أمام الكعبة، ليست تلك اللحيظات فقط، انما كافة مايمت الى حياتي، خاصة مايتعلق بأبي الذي كان أقصى طموحه القدوم الى نفس الموضع الذي أتواجد به الآن لكن الظروف لم تساعد. اسندت ظهري الى العمود الرخامي، كنت أواجه الكعبة، وظهري إلى مكان الطواف الجديد، الذي تم انشاؤه في الطابق الثاني، وكان له أثر كبير في تخفيف الزحام بصحن الحرم بالطبع الأشواط السبع هنا تطول، لكن الهدف واحد، ربما يصبح الأمر أيسر بالنسبة لصغار السن، أو الساعين بأشواقهم عن قرب وعن بعد، تذكرت صاحب حميم، أوغل في الصوفية حتى رق وشف، قال لي يوما أنه يطوف يوميا بروحه حول الكعبة، كم من الأرواح تطوف ولا نراها ونحن بجوارها، كم من الجباه تسجد في كل لحظة متجهة الى هذا المركز الرمز، مع فروق التوقيت، واختلاف مواضع الصلاة، لا تخلو لحظة ولا يخلو الكوكب من ملايين الساجدين صوبها. كان الوقت ما بين العصر والمغرب، أنه الأصيل، رحت أرتل سورة العصر التي احفظها عن ظهر قلب. «والعصر.. إن الإنسان لفي خسر». كنت أتأمل البشر، البياض السائد لملابس الاحرام، هنا تختفي الملامح بين التركي والهندي، والماليزي والصيني والافريقي والأوروبي الملامح الوحيدة التي تبقى ماثلة ملامح هذا البناء البسيط جدا في معماره، الدال جدا في معناه، مايرمز اليه، يمر البشر في تلك الحركة الدائرية حوله، تماما كدوران الأفلاك. هاهي اللحظات تتعاقب، تماما مثل الطواف حول الكعبة، مع تمام كل شوط ينقضي وقت، يغرب النهار كالعمر، أطوف بمراحله المختلفة، في هذا الوقت الوجيز، القصير، استدعيتها كافة، خاصة تلك الأوقات الحميمة بكل ماحفل به من شفافية وجموحات لا يغفر لها الا حسن النوايا. أطوف بالبصر في الفضاء أرقب أسراب الحمام، حمام الحمى، وآه من علاقتي بالحمام، انني في حاجة الى مؤلف ضخم لأذكر جانبا منها، منذ رؤيتي للحمام الذي يجيئ في الظهيرة فوق السطح الذي كنت أتطلع منه الى أفق الدنيا، هديله الذي أثار حنيني وأشواقي، في مكاني هذا أرى ما لم أره من أشد الأماكن التي عرفتها في حياتي أرتفاعا، انها رؤية خاصة تنفذ الى الداخل، الى مايمكن رؤيته ومالا تقدر الحواس على الالمام به. الاحساس بالزمن مختلف، خاصة مع اقتراب مواعيد الصلاة، وترقب انطلاق الآذان الصاعد من الحرم مباشرة الى الفضاءات العلى، يتغير الضوء وميله الى اصفرار، لمحت اسرابا من الحمام، اعتدلت، رحت أتابع حركته، ظهوره واختفائه، علوه، صعوده، كان بعضه يقترب من الكعبة الى حد يخيل الي معه أنه سيحط فوقها، لكن ما من حمامة واحدة تلمسها أو تستقر فوقها يبدو الحمام وكأنه يشارك البشر طوافهم، حركتهم الدائرية، لكنه لا يلمس، ولا يقترب. طواف الحمام، طواف البشر، ذلك الطواف الحميم، الذي يلخص حركة الكون حول المركز، باق، متصل عندي، بكل ماسبق هذه اللحظة، وماتلاها حتى الآن.