الخميس 12 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 13 فبراير 2003 تخيل إنك على متن قارب في وسط خليج المكسيك، وفجأة يطلب منك القبطان ارتداء ملابس الغوص والتوجه نحو قفص من الحديد الصلب كي تأخذ مقعدك. وبعد ان يتم ذلك يحكم القبطان اغلاق القفص ويسحبه نحو احد جوانب القارب ويطلقه ليغوص رويداً رويداً في اعماق خليج المكسيك. وفجأة تجد نفسك محاطاً بمجموعة كبيرة من أسماك القرش الابيض، بينها الصغير الذي لا يتجاوز طوله الخمسة اقدام والضخم الذي يزيد طوله على ثمانية عشر قدماً، وكل من في هذا الحشد الهائل من هذه الاسماك المفترسة والشرسة يأمل في التهام قطعة من جسدك. انه منظر في غاية الرعب والاثارة، ولكنه ليس ضرباً من الخيال بل تجربة حقيقية يمكن ان تعيشها بعد ان تدفع خمسة آلاف دولار اميركي فقط لا غير وتعيش ثلاثة ايام بلياليها وسط هذه الحيوانات المفترسة، ولكن داخل قفص يضمن سلامتك وسلامتها. ويتيح الغوص داخل الاقفاص المعدنية فرصة نادرة لهواة وعشاق المغامرات وفرق التصوير السينمائي وعلماء الحياة البحرية لاستكشاف عالم القرش الابيض، وقد دأبت شركات عدة متخصصة في هذا المجال على تنظيم رحلات غوص لاكثر من مكان في العالم، وتوفر الاقفاص المعدنية الحماية للمغامرين واسماك القرش الابيض ايضا، وتسمح في الوقت ذاته بمشاهدة مناظر ومشاهد بانورامية، وكما يهتم افراد طاقم القارب بسلامة المغامرين فإنهم يضعون اهتماماً خاصاً لحماية هذه الحيوانات من المغامرات الخطيرة التي قد يحاول البعض القيام بها. وتقول شركة «شارك ادفنشر» التي سنذهب معها في هذه الرحلة: ان الغوص وسط اسماك القرش آمن ولا ينطوي على اي مخاطر، وتضيف ان هناك العديد من الاسرار والغموض الذي يحيط بحياة هذا النوع النادر من اسماك القرش، ومن هذه الاسرار انه وحش كاسر وماكينة قتل تهجم في شراسة على كل ما تقع عليه اعينها، ومع ذلك فهي وديعة وخجولة وفي غاية الجمال، وفي الوقت الذي يتقاتل فيه سكان المياه العميقة على صيد، فإن هذه الاسماك تقف بعيداً عن ساحة المعركة في وداعة وحياء، ولهذا يتعين على المغامرين احترامها سواء داخل المياه أو خارجها. وننطلق الآن على متن القارب «سيرشر» اي الباحث والذي تم تجهيزه لاستقبال نحو خمسة عشر غواصاً ويضم غرفاً مريحة وقاعة طعام فخمة نحو جزيرة جواد الوبي قبالة سواحل خليج المكسيك حيث نقضي خمسة ايام في جو صحو ومشاهد طبيعية رائعة على متن القارب او داخل المياه. المكان يعج باسماك القرش الرقيقة والسريعة والجميلة. نقضي الليلة الاول داخل قاعة الطعام حيث يقدم مجموعة من الخبراء في هذا النوع من المغامرات معلومات دقيقة حول سلوكيات اسماك القرش وكيفية التعامل معها بالاضافة إلى ارشادات وتدريبات عملية حول افضل السبل للاستمتاع بالحياة وسط مجموعة منها، خاصة تلك التي يتجاوز طولها العشرين قدماً والتي تعتبر اكثر شراسة من غيرها. ونخلد إلى النوم لنستيقظ مع اشعة شمس الصباح الدافئة، نتناول وجبة الافطار ونتهيأ للتوجه نحو الاقفاص المعدنية وصوت القبطان لورنس جروث ينطلق من المايكرفون وهو يقدم النصائح والارشادات قبل النزول إلى المياه. وتنزلق الاقفاص التي تم ربطها بسلاسل حديدية. المكان فسيح ويسع خمسة غواصين بكامل اجهزة الغوص. ويغوص القفص، وحين يصل إلى عمق عشرة امتار يتغير المشهد تماماً، فها هي اسماك القرش تنطلق من كل مكان وفي سرعة رهيبة لتهاجم القفص الذي يرتج تحت وقع ضرباتها. المشهد من داخل القفص المتأرجح رائع ومثير، هدير هجمات اسماك القرش مغامرة رائعة بالرغم من الخطر الذي يحيط بالمكان، لوحات بانورامية مليئة بالحيوية والنشاط، ما من شيء ساكن، حتى اعماق البحر ترتج، الغطاء الزجاجي السميك يتيح رؤية المشهد كاملاً ومن كل الاتجاهات. ويبدأ القفص المعدني في الارتفاع، فقد انتهت رحلة الغوص الاولى، وغداً نعود لنعيش على مدى ثلاث ساعات مع هذه الحيوانات المفترسة. وهكذا تمضي رحلة المتعة والاثارة التي لا تكتمل إلا برحلة غوص ليلية نشاهد فيها اسماك القرش البيضاء والحيوانات الاخرى بمساعدة الاضواء الساطعة التي تنطلق من اجهزة الاضاءة العملاقة لتحيل ظلمة الاعماق إلى لوحة ملونة تزدحم بالحركة والهدير والرعب والخطر. مأمون الباقر