الثلاثاء 10 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 11 فبراير 2003 على خشبة متواضعة لا تتعدى مساحتها الأربعة أمتار مربعة، يعلوها ديكور متقشف مكوّن من ستارة وطاولة وبعض الكراسي ومنصة لإلقاء الخطابات، قدّمت فرقة «مسرح الساعة العاشرة» اللبنانية أمس الأول عملها الجديد «بلد حر» في قاعة الراشدية بفندق «البستان روتانا دبي» أمام جمهور غص به المكان ولم يفارقه الضحك طوال مدة العرض. والعمل المسرحي الجديد الذي مضى على انطلاقة عروضه في بيروت خمسة أشهر، قدّمته الفرقة في فندق «الشاطيء روتانا» بأبوظبي، في اطار زيارتها الحالية للدولة قادمة من جولة شملت عروضاً عدة في الولايات المتحدة الأميركية. وفي هذا العمل تواصل الفرقة نهجها الفني من خلال انتاج مسرحي يقوم على الاعداد المشترك الذي يتولاه اعضاؤها: اندريه جدع وبيار شماسيان وليلى اسطفان، ويتكيء على متابعة المستجدات السياسية والاجتماعية عبر الصحف ووسائل الإعلام الأخرى. حين انطلقت فرقة «مسرح الساعة العاشرة» مطلع الثمانينيات، أي قبل حوالي عشرين عاماً، كانت بيروت تئن تحت وطأة الصراع الأهلي واحتدام الأزمة الاقتصادية، لذا كان من الطبيعي أن تجعل هدفها منصباً على قراءة الواقع «السريالي» بلغة نقدية ساخرة من العبث القائم على غير مستوى، لكنها تحمل في طياتها هدف البحث عن حقيقة مشتركة أو رؤية تتفق عليها الفئات والتيارات المختلفة لمعالجة التأزم السياسي والاجتماعي في البلاد. وقد تمكنت الفرقة التي تطلق على نفسها اسم «القوالون» أو «Les diseurs» من الاستمرار في هذا الميدان الفني برغم كل ما يحيط به من محاذير واشكاليات نظراً لتماسه المباشر مع أصحاب الشأن في أعلى هرم السلطة والفعاليات النافذة على الأرض. وقدّمت الفرقة أعمالها في شرقي بيروت وغربها، حتى في الوقت الذي كان أطراف الحرب يتبادلون القصف المدفعي بين شطري العاصمة اللبنانية. ولا عجب أن تكون اللغة الطاغية في «مسرح الساعة العاشرة» عن الحرب بالنظر لما تركته من نتائج كارثية، وحول السياسة وافرازاتها وما استتبعهما من تغيّرات في البنى الثقافية والفكرية والاجتماعية، وانطلاقاً من هذه الاجواء، صارت الفرقة تستوحي أفكار عروضها المسرحية، ومن أجل ذلك راح أفرادها المؤسسون يلتقون العديد من الشخصيات الفاعلة للوقوف عند آرائها حيال الأوضاع العامة، وكل ذلك بهدف تكوين رؤية واضحة وشاملة تفي بمتطلبات العرض المسرحي. وحين سألنا أندريه جدع أحد المؤسسين عما آلت اليه العلاقة بين الفرقة والأطراف السياسية في لبنان، وما إذا كان هناك تأثير ما لانتقاداتهم اللاذعة على مستقبل عملهم الفني، أكد جدع قائلاً: «ان للفرقة علاقات طيبة مع الجميع بدءاً من رئيس الحكومة، وصولاً الى الوزراء والنواب وقادة الأحزاب، مشيراً الى ان معظم هؤلاء يتقبّلون الأعمال المسرحية للفرقة بكل اعجاب واستلطاف، وكثيرون منهم يشاهدون عروضنا». ولما تساءلنا عن مدى رحابتهم حيال النقد اللاذع، بادرنا بالقول: «إن النصوص والاستعراضات التي نقدمها وإن كانت تحمل القفشات والانتقادات الشديدة، إلا انها تحرص على اعتماد مستوى معين من التعامل الفني الحضاري الذي يرفض التجريح والعبارات المبتذلة». وعلى المنوال ذاته الذي تنسج عليه أفكار أعمالها، قدّمت فرقة «مسرح الساعة العاشرة» الوجه الجديد شربل صليبا الذي لفت الحضور بأدائه المحترف وخفة ظله رغم حداثة تجربته، علماً انه حاز على ذهبية برنامج «ستوديو الفن» في فئة «التقليد والمونولوج»، وأدى رواد الفرقة مع زميلهم الواعد عرضاً يغوص في كافة تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية في لبنان: الخلافات الحكومية، الاضرابات والتحركات المطلبية، المحسوبيات والرشاوى، أزمة الحريات، وفيما شكلت لغة التعاطي الإعلامي مع قضايا البلاد احدى المسائل الأساسية التي سلطت المسرحية عليها سهام النقد الساخر وذلك بسبب المزاجية التي تتحكم بأدائها، بالاضافة الى العديد من القضايا التي اعتاد عليها اللبنانيون خلال سنوات المحنة الطويلة. ولقد أرادت الفرقة في عرضها الجديد «بلد حر» ان توجّه رسائل عدة وعلى مستويات متعددة بأنه لابد من ايجاد قراءة واحدة للمشكلات الأساسية أو على الأقل التوافق على قواسم مشتركة لايجاد حلول تحدّ من العبث القائم وتجنِّب البلد المزيد من الانهيار. ولعل استحضار الفرقة للعديد من المقطوعات الموسيقية الشهيرة وبينها ما سمعه الناس في مسرحيات الاخوين رحباني وزياد الرحباني وسيد درويش اضافة الى أغنيات رائجة في أيامنا الحالية، كل ذلك أضفى على العرض المسرحي شيئاً من الترفيه البديع، فضلاً عن انه جاء ليدق ناقوس الذكرى والحنين الى تلك الأيام الماضية. وعبر لغة بسيطة مفهومة لكل فئات الجمهور، من يقيم منه داخل الوطن ومن هو مغترب ومهاجر في الأصقاع البعيدة، تمكنت فرقة «مسرح الساعة العاشرة» من ايصال كوميدياها اللاذعة وتراجيديتها المؤلمة في آن الى قلوب ومسامع من شاهدها لما يزيد على الساعتين ونصف الساعة. «بلد حر» باحت بكل ما يريد قوله أي مواطن لبناني، لذا كان التعبير صادقاً وشفافاً ومن دون أي انحياز لهذه الفئة أو تلك، وقطعاً هذا ما منح العمل مصداقيته وأبعاده الانسانية، حيث تصح تسميته بالكوميديا السوداء التي تنتزع الضحكات من حناجر الناس، بالقدر ذاته الذي تخرج فيه تنهدات الوجع والأسى الناجمة عن الظواهر الشاذة والعادات البليدة التي يتوق الناس الى تبديدها نهائياً. بعد انتهاء العرض سألنا اندريه جدع.. الى أين تريدون الوصول؟ رد بكل بساطة: الى شيء من الحقيقة والصدق والشفافية، حتى نمضي بوطننا نحو الطمأنينة والرقيّ. كتب اسماعيل حيدر: