الاحد 8 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 9 فبراير 2003 «بقعة منفوضة عن خاطر الدنيا» تلك هي الصفة التي اطلقها بحار بريطاني رست سفينته بشواطيء جزيرة ناورو العام 1798، مضيفا اليها صفة «الجزيرة الساحرة» التي تحولت بمرور الوقت لأصغر جمهورية في العالم حيث لا تزيد مساحتها على واحد وعشرين كيلومترا مربعا فقط، ولا يتجاوز عدد سكانها العشرة آلاف نسمة. وعرف العالم المتحضر جزيرة ناورو التي تقع وسط المحيط الهادي في منطقة نائية ما بين استراليا وهاواى العام 1900 بعد ان تم اكتشاف كميات هائلة من الفوسفات، وهو مادة تكونت من تكلس فضلات الطيور التي تراكمت لعدة قرون وتستخدم كسماد ـ اتجهت انظار شركات التعدين والتنقيب البريطانية والاسترالية والنيوزيلندية نحو الجزيرة النائية وبدأت في استخراج الفوسفات وتصديره الى الاسواق الخارجية، الامر الذي راكم ثروات كبيرة واثرى عددا كبيرا من سكان الجزيرة التي اصبح يطلق عليها «كويت جنوب المحيط الهادى». وتحولت الجزيرة الصغيرة الى ساحة حرب شعواء ابان الحرب العالمية الاولى وبعد الاحتلال الياباني الذي اتخذ منها قاعدة متقدمة واذاق السكان الاصليين أبشع صنوف التعذيب والاضطهاد والاستغلال والمجاعات والاعدامات الجماعية الا انهم ومع كل ذلك الاذلال والمهانة صبروا واستمسكوا بثقتهم في ـ غد افضل وبروح معنوية عالية حتى لاحت تباشير الانعتاق والخروج من العتمة بعد هزيمة الاحتلال الياباني ورفع اليوتيون جاك، اي العلم البريطاني. وواصلت الشركات الاسترالية والبريطانية عمليات التعدين واستخراج الفوسفات طوال عقود طويلة استنفذت خلال تلك الثروة الطبيعية الهائلة حتى نالت الجزيرة استقلالها العام 1968 ليكتشف السكان انخفاض معدلات تواجد الفوسفات تلك المادة التي ادخلت جزيرتهم عالم الثراء وجعلت السكان يعيشون على واردات الجمهورية من المواد الغذائية والاطعمة والمنتجات الضرورية الاخرى. وانضمت جمهورية ناورو الى هيئة الامم المتحدة في الرابع عشر من شهر سبتمبر 1999 لتكون بذلك اصغر اعضاء المنظمة الدولية مساحة واقلها سكانا واكثرها اعتمادا على العالم الخارجي لتوريد المأكولات المعلبة التي اصبح السكان يعتمدون عليها اعتمادا تاما في حياتهم حتى تفشى مرض السكري وسطهم وبصورة تدعو للقلق. واحالت عمليات استخراج الفوسفات التي كانت تقوم بها الدول المحتلة الثلاث، بريطانيا واستراليا ونيوزيلندا نحو ثمانين في المئة من ارض الجزيرة الى اراض جرداء ومستنقعات ولم يعد للجمهورية الصغيرة ما يمكن ان تصدره للعالم الخارجي واصبحت تعاني انقطاعات متكررة في الكهرباء نظرا للصعوبات المالية التي تمنعها من استيراد خام الديزل. وتشاء الصدف ان تشهد ناورو طفرة اقتصادية هائلة منتصف التسعينيات في القرن الماضي فقد وجدت فيها عصابات غسيل الاموال ملاذا آمنا لاعمالها القذرة وعادت الى دائرة الضوء بقوة هذه المرة، وتقدر الاحصائيات التي اعدتها وزارة الخزانة الاميركية ان الجزيرة استقبلت اكثر من سبعين مليار دولار اميركي خلال العام 1998 فقط، وكل تلك الاموال نقلتها عصابات المافيا وغسيل الاموال الروسية، كما ذكرت التقارير التي اعدتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ان المبالغ التي دخلت وخرجت من جمهورية ناورو تجاوزت مئة مليار دولار خلال ثلاثة اعوام فقط، الامر الذي ادى لاصدار تشريع لمكافحة الجرائم المالية. وجمهورية ناورو من الجمهوريات القليلة في العالم التي لا تعرف لها عاصمة، وليس لديها جيش نظامي، ومكاتب الحكومة التي تتكون من رئيس وزراء ووزيرين فقط تتخذ من منطقة يارين الساحلية مقرا لها وتتم ادارة شئون البلاد من مكتبين فقط، هذا بالاضافة الى ان شركة خطوط الطيران تدير عملياتها من مكاتب صغيرة تواجه مدرج المطار الذي تم شقه وسط الحشائش. وبالرغم من استثماراتها العقارية في استراليا وهاواي ومنحها تراخيص لصيد السمك داخل المياه الاقليمية، الا ان مستقبل جمهورية ناورو يبدو قاتما، بالرغم من الانفتاح الاقتصادي والخدمات المالية لأكثر من اربعمئة شركة اوفشور تتعامل ماليا من خلال مكتب البريد. ونتيجة لاعتماد السكان على الاغذية المستوردة فقد تفشت السمنة وسطهم وانتشر مرض السكري وتزايدت اعداد المرض الذين يعانون من امراض الكلى والقلب، وتشير الاحصائيات الى اصابة اكثر من نصف السكان الراشدين بداء السكري ومضاعفاته، ولهذا فشلت الجمهورية الصغيرة في استقطاب السياح، بالرغم من موقعها الجغرافي المتميز الذي يجعل منها الجمهورية الوحيدة التي ليست لها حدود برية، او قوات مسلحة، وبالرغم من تنوع العادات والتقاليد والتميز الفولكلورى الذي قل ان يوجد في مكان آخر. مأمون الباقر