السبت 7 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 8 فبراير 2003 استخدم الباحثون مؤخراً طريقة التعقب بالاقمار الصناعية لرسم خريطة لطريق قديم تسلكه الفيلة في غرب افريقيا عند الحافة الجنوبية للصحراء الكبرى، وهو طريق مكن الفيلة من البقاء على ارض بالكاد تصلح للعيش. تعيش الفيلة في منطقة غورما بدولة مالي، وهي منطقة شبه صحراوية من السهول التي تتخللها المسطحات الخضراء والاميال الممتدة بلا نهاية من الكثبان الرملية. ولكي تبقى على قيد الحياة في هذه البيئة القاسية، تقوم فيلة غورما سنوياً بسلوك طريق هجرة دائري لمسافة 280 ميلاً يعتقد بأنه اطول طريق لهجرة الفيلة في افريقيا. ويقول دوغلاس هاميلتون وهو عالم احياء يعمل مع «انقذوا الفيلة» وهي مؤسسة بحثية غير ربحية مقرها نيروبي في كينيا: «يتعين على الفيلة ان تقطع مسافات طويلة بين حفر الماء، وفي بعض الاحيان لمسافة تتراوح بين 62 و93 ميلاً في يوم واحد او يومين! ويضيف ودوغلاس: «عليها ان تنتقل لمسافات بعيدة وبسرعة بدون مياه، وهي تقوم بذلك في معظم الاحيان اثناء الليل». وحتى ما قبل 30 عاماً فقط، كانت قطعان كبيرة من الفيلة تنتقل عبر غربي افريقيا. ولكن صيد الفيلة بهدف الحصول على العاج والزحف العمراني البشري والتدهور البيئي عمل على تخفيض اعدادها بشكل كبير. ومن خلال تتبع مسار الفيلة، وبخاصة حيث يتقاطع مع التجمعات السكانية، يستطيع علماء الحفاظ على البيئة ان يفهموا بصورة افضل كيفية المحافظة على الأجناس البرية. ويعتبر قطيع الفيلة في منطقة غورما والذي يتراوح عدده بين 325 و350 احد اكبر القطعان في غربي افريقيا. ويمتاز طريق هجرة فيلة غورما بصعوبته نظراً لتنوع تضاريسه ومناخه القاسي. فالكثير من حفر الماء تجف بسرعة بعد انتهاء موسم الامطار القصير. واي خطأ في التقدير ـ اي الوصول إلى موقع بدون مياه، على سبيل المثال ـ قد يقود إلى موت القطيع برمته. تسير اناث الفيلة وصغارها الذين تقودهم احدى الاناث المترئسة، بمعدل ستة اميال في اليوم، على الجبال صعوداً ونزولاً وفي الغابات والصحاري وسهول السافانا وعبر الاماكن النائية. اما ذكور الفيلة فتسير وحدها وتلتقي مع باقي القطيع حول بانزينا، وهو مصدر المياه الاكثر اعتماداً في المنطقة، في الفترة ما بين شهري مارس ومايو. وتشكل حفر المياه العمود الفقري لمسلك الهجرة ومنطقة الساحل تتمتع بموسم امطار قصير، حيث يمتد من يونيو إلى اغسطس. ويبدو ان الفيلة تملك القدرة على سماع سقوط الامطار من مسافات بعيدة فتستجيب لها تبعاً لذلك. ويقول دوغلاس: «عندما تهطل الامطار، فإن الفيلة تسمعها، فتنطلق في غضون 24 ساعة متوجهة جنوب مكان سقوط الامطار. والامطار تعطي اشارة دون سمعية والفيلة تسمعها من مسافات بعيدة». ومن نواح عديدة، فإن بقاء الفيلة يعود إلى التسامح الاستثنائي للناس الذين يعيشون في الساحل، والذين ينظرون إلى الفيلة باعتبارها طلاسم تدفع الشر وتجلب الحظ السعيد. ومن ناحية تاريخية، فإن هذه الجماعات من السكان الاصليين كانت مترحلة، تنقل الماشية والاغنام والماعز والحمير والجمال من مكان لآخر طلباً للماء والكلأ. ويقول دوغلاس ان «كلاً من الفيولز والطوارق يراقبون الفيلة لكي يعرفوا متى سترتحل، فيتبعونها بماشيتهم إلى مراعي جديدة». وفي بعض حفر الماء، يقوم البدو الرحل بسقي انعامهم في النهار، وفي الليل، تصل الفيلة لكي تشرب. غير ان هذا الانسجام والتناغم بأن مفقوداً الآن، حيث ان تزايد التنمية في المنطقة ادى إلى زيارة التضارب بين مصالح البشر والفيلة. وتعمل برامج المساعدة الوطنية والدولية للسكان المحليين على تغيير انماط استغلال الارض الراسخة بوتيرة بطيئة. ومن خلال توفير مصادر مياه دائمة مثل الآبار والحفر المائية، تشجع البرامج البدو الرحل، على الاستقرار في قرى دائمة يزرعون المحاصيل ويرعون قطعانهم في مكان واحد على مدار العام. ان التدمير البيئي الناجم عن الزراعة والافراط في الرعي يصعد من المنافسة بين البشر والفيلة على الموارد المتناقضة باستمرار. وفي جميع انحاء افريقيا، كانت الفيلة هي الخاسرة في وجه زيادة الاستيطان البشري. ويذهب نشطاء الحفاظ على البيئة إلِى القول ان المسألة لا تتعلق بالاختيار بين التنمية والحفاظ على البيئة. ولكن يتعين على خطط التنمية ان تكون مصممة بعناية وان تأخذ بعين الاعتبار احتياجات البشر والفيلة في نظام بيئى هش للغاية.