الجمعة 6 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 7 فبراير 2003 يتجلى الابداع اليمني منذ القدم في الكثير من الصور الجمالية التي مازالت آثارها باقية حتى اليوم بالرغم من مرور آلاف السنين كدليل ساطع على مدى قدرة الانسان اليمني في تطويع ما كان متاحاً لديه من امكانات، وتمكنه من صنع العديد من المنجزات الحضارية التي جعلت العالم يقف أمامها مشدوهاً إزاء تلك القدرة العلمية الخارقة في ذلك الزمن الموغل في القدم. ولعل ابرز مثال على براعة اليمنيين هو تفوقهم في بناء سد مأرب منذ اكثر من ثلاثة آلاف سنة بتلك الصورة الهندسية الرائعة والتي مازالت بقاياه موجودة حتى الآن الى جانب بناء المعابد والقلاع والاسوار والقصور التي تحكي آثارها قصة تلك الحضارة التي ازدهرت في ذلك الزمن. ومن الآثار التي تشتهر بها اليمن وخاصة في مدينة مأرب المشهورة التي ينسب اليها السد محرم بلقيس او ما يسمى «عرش بلقيس» يقع على مسافة قريبة من تلك الاعمدة، وهو ما تبقى من آثار غمرتها الاتربة دائري الشكل قطره حوالى 90 متراً مربعاً ويحيط به سور له بابان شمالي وجنوبي، ويبدو ان الشمالي كان هو المدخل الرئيسي للمعبد اذ يوجد ممر واسع على جانبيه أعمدة ينتهي الى داخل المعبد، وعلى بعد عشرة أمتار من المدخل الرئيسي توجد ثمانية أعمدة ضخمة اسطوانية الشكل غطت الرمال الاجزاء السفلى منها. ويلاحظ من هذه الآثار وغيرها المنتشرة في اليمن ان اليمنيين كانوا يعتمدون في الغالب عند بناء المعابد والقلاع وسد مأرب وغيرها على الحجر المنحوت، ولم يكن البناء يختلف كثيراً عن طرق العمارة الاشمينيدية الفارسية التي كانت في نفس العهد، وتعتمد هذه الطريقة على كتلتين من الحجر المنحوت بينهما حشوة من الالواح الخام، والوجه المرئي من الاحجار المنحوتة منقر ومطوق بشريط مصقول. وبشكل عام، كان مدخل المعابد مجهزاً ببوابة ذات دعامة وحيدة الحجر وذات مقطع مربع وتاج مسنن، وكانت ركائز الابواب والنوافذ منحوتة او محفورة، وكان اليمنيون القدامى يحفرون على هذه الركائز اسم صاحب المنزل او القبيلة التي ينتمي اليها اذا استخدمت في المنازل. اما الجدران الداخلية للمعابد فكانت تحتوي على مشكاة او اكثر لايداع التماثيل الصغيرة، وقد كانت غنية بالزخارف. وهناك نوع آخر من النحت الذي كان يستخدمه اليمنيون ويتميزون به، ويعتبر اكثر ثباتاً واطول بقاء وهو البلاط المنقوش والمزخرف والذي يعود تاريخه الى القرن الخامس قبل الميلاد. ومن المعالم الحضارية اليمنية في محافظة حضرموت مدينة شبام والتي يطلق عليها اقدم ناطحات سحاب في العالم وعمرها تجاوز الـ 550 سنة، غير ان الشئ الملفت للنظر هي تلك المباني التي شيدها افراد عاديون من المجتمع الحضرمي والتي هي اشبه بالقصور متوزعة في مدن وقرى المحافظة، ومثل هذه المباني المشيدة بشكل هندسي بديع ماهو قائم في سيئون وتريم، فالزائر لمدينة تريم يفاجأ بأنها عالم قائم بذاته، وهي مدينة العديد من الاغنياء ومعظم ابنائها التجار يعيشون في سنغافورة وماليزيا والسعودية وفي اميركا واوروبا، وتعرف تريم ايضا بمدينة القصور حيث تقام بيوتها الواسعة على اشكال هندسية غاية في الجمال والروعة، ويعد قصر آل الكاف من أجمل بيوت تريم، فالبيوت هنا ضخمة ومربعة الشكل وبها صفوف طويلة من النوافذ وعادة ما يكون الطابق الأرضي فخما جداً فهو يعتبر المكان الرئيسي لاستقبال الضيوف، وكما تميز هذه المدينة قصورها الزاهية، فإنها تعرف ايضا بمدينة الـ 365 مسجدا ومازال البعض منها صالحا، بينما البعض منها تداعى، واصبح غير مهيأ لاقامة الصلاة، ومن معالم مدينة تريم جامع تريم ومنارته التي يقال ان طولها يبلغ 150 قدما، وهي مبنية على النسق الحديث ويزينها طوق وحيد من شيش وفي قمتها عمدان صغيرة تقف عليها القبة ويبرز اللون الاصفر واضحا في مواجهة زرقة وأشجار النخيل بألوانها الرمادية الخضراء والمئذنة بها العديد من النوافذ الصغيرة التي تزينها حواش رمادية. مدينة المكلا تعتبر بوابة حضرموت وتتميز بجمال اخاذ تمتد على شريط ابيض على حافة المحيط الازرق عند سفح جبل مائل، بيوت هذه المدينة بيضاء ذات طوابق متعددة مستقيمة ولها سياج يحيط بسطوح المنازل مشيد من اعمدة ناصعة البياض ومآذن مساجدها مخروطية وهو الشكل الذي يتميز به الاسلوب الحضرمي، ويقف قصر السلطان على صخور سوداء بالقرب من البحر، ابوابه ونوافذه من الطوب الاحمر وشرفاته فاتحة الاخضرار تحيط به اشجار الهند والنخيل والمانجو والباباي، ويلاحظ ان معظم قصور السلاطين في حضرموت تأخذ اشكال هندسية متعددة وهي شامخة في كثير من المدن واهم هذه القصور قصر السلطان في سيؤن الذي يعد من اجمل واكبر القصور في اليمن وهو افضل نموذج لفن المعمار الحضرمي. اذن بيوت حضرموت صور تعكس حياة وعادات وتقاليد المجتمع، وفي نفس الوقت تبرز مدى التنافس القائم بين افراد المجتمع في بناء القصور وتزيينها بأشكال هندسية بعضه اتي به من دول شرق اسيا وبعضه بني وصمم على الطريقة اليمنية ذات البيئة الخاصة لمجتمع مازال يشعر بانتمائه لمملكته «حضرموت» وتاريخه القديم وحضارته الاصيلة، انها قصور تحكي احداث لتاريخ طويل وليست بيوتا للسكن والاقامة. جميل محسن