الخميس 5 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 6 فبراير 2003 تحت رعاية سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة وضمن فعاليات ملتقى السودان الاستثماري الثقافي شهد احمد شاور القنصل العام السوداني لدى الدولة والزهاوي ابراهيم مالك وزير الاعلام السوداني واشراقة السيد محمود وزيرة التعاون الدولي السودانية الندوة التي نظمت مساء امس الاول بقاعة المحاضرات بغرفة صناعة وتجارة دبي تحت عنوان «نحو ثقافة سودانية جامعة»، وذلك ضمن احتفالات الجالية السودانية في الدولة بعيد استقلال السودان، وشارك فيها كل من الشاعر مصطفى محمد سند والفنان الباحث عبدالكريم الكابلي والامين العام لاتحاد الفنانين العرب علي مهدي واكوي دوال اكوي نائب مدير جامعة اعالي النيل، وادار الندوة الدكتور يوسف عيدابي. وقد بدأت فعاليات الندوة التي شهدها جمهور غفير من ابناء الجالية السودانية بلمحة تاريخية عن تاريخ السودان ودخول الاسلام شمال السودان في العام 21 هجرية على يد عبدالله ابن ابي السرح في عهد الخليفة عثمان بن ابي عفان الى مرحلة استقلال السودان من الاستعمار البريطاني. وكان د. يوسف عيدابي قد تحدث مفتتحا الندوة حول الخصوصية التي تتمتع بها الثقافة السودانية في جانبها التعددي معتبرا ان هذه التعددية هي السمة التي ميزت الحالة الاجتماعية والثقافية، وان التعددية هذه لا تفترض الخلاف بقدر ما تفترض غنى المفردات البيئية المعبّرة عنها. من جانبه تناول الفنان عبدالكريم الكابلي في حديث لم يخل من الشجن اللحظات السعيدة التي عاشها الشعب السوداني في العام 1956 وهم يشهدون رفع علم السودان المستقل، مؤكدا على ان الحدود الآمنة للوطن ليست في حدود الوطن الجغرافية بل حدود الانتماء والولاء له، وقال الكابلي: فيما يخص عنوان الندوة «نحو ثقافة جامعة» تمنيت لو حدث تغيير واستبدال كلمة ثقافة بكلمة وعي لأنها الوعاء الاشمل والاطار الاكبر لما ننشده، واضاف: حينما ناضل الآباء من اجل ازالة الاستعمار وانزياح الادارة الاجنبية عن البلاد لتحل محلها الادارة المحلية، كان الهدف والنضال يقودان الى وطن واحد، ولكن لغياب الوعي فيما بعد صار الوطن الواحد أوطاناً متعددة. وقال الكابلي: ان الله سبحانه وتعالى حبى السودان بهذه التعددية وهذه نعمة، ولكن بعيدا عن الانتماء يصبح الامر كالمصيبة، وفي مسألة الثقافة، فانها اليوم وهي تعبر بعد مسيرة طويلة من تاريخها، اصبحت الاقرب الى الاخلاق، ولابد لها ان تتحدد مع الاخلاق لتصبح ثقافة ناتجة وجامعة كما نريد. من جانبه قدّم الشاعر مصطفى سند نبذة تاريخية عن تحولات المشهد الشعري في السودان من اصوله وجذوره التقليدية الى حداثة القصيدة السودانية معددا مجموعة من اسماء فرسان الشعر السوداني منذ الحركة الكلاسيكية التي اسهم فيها مجموعة من الذين تلقوا علومهم الازهرية في مصر، وقال سند: بدأ الشعر في السودان بين الفصيح وبين العامي، الا ان الفصيح لم يخرج الا بعد ان جاء علماء الازهر، وكان الشعر تقريريا ويعتمد في اساليبه واغراضه على المديح، وفي حقبة الخمسينيات جاء الشعر الحديث مع حركات التجديد والتنوير وعلى قفى جملة من الرؤى السياسية التي سادت في ذلك الوقت في ارجاء العالم العربي، وجاء الشعر السوداني الحديث ليتمرد على القوالب الكلاسيكية، وكان لدينا في مصر مجموعة من الشعراء السودانيين ومنهم محجوب باشري، تاج السر الحكم، حسن عباس صبحي، وابراهيم شعراوي ومحجوب عمر، وقد اسهموا من خلال توجدهم في مصر اسهاما كبيرا في نشر القصيدة السودانية وخصوصا من خلال مجلة «الآداب» اللبنانية. واضاف الشاعر سند في اطار مداخلته حول حركة الشعر السوداني: ان منبر جامعة الخرطوم كان ميدانا حرا لتقابل اصحاب الشعر التقليدي الكلاسيكي والشعراء المجددين، وقد نشأت معارك ادبية طاحنة في هذا المضمار، مشيرا الى ان المشهد الشعري السوداني شهد اول مجموعتين شعريتين في الشعر الحديث هما: «غابة الابنوس» و«الصمت والرماد». ثم تحدث بعد ذلك علي مهدي الامين العام لاتحاد الفنانين العرب، طارحا اشكال الدعوة الى «ثقافة سودانية جامعة»، ومتسائلا عن السبب الذي يدعو السودانيين الى طرح مثل هذا المفهوم، وقال: لماذا نختار هذا الوصف ونريد له التحقق؟ هل نريد تغليب ثقافة المركز على ثقافة الاطراف؟ هل نريد صهر تعددية الثقافة السودانية رغم ان هذه التعددية في ميزتها وهويتها الاصيلة لتصبح هناك ثقافة واحدة هجينة؟ وجاءت تساؤلات علي مهدي صارخة في محاولة اجابته على اسئلته التي طرحها، فهو يقتنع بأن جمع الثقافة في وعاء واطار سوداني واحد لا يعني الغاء تعدديتها. وقال مهدي: أفضّل استخدام صناعة الثقافة خصوصا واننا نعيش اليوم في ظل متغيرات عديدة وفي ظل بطولة الاقتصاد والاستثمار، مشيراً الى انه حينما نتحدث عن ثقافة جامعة يجب ان نعي تماما ان علينا ترك اطرافها تتحرك باتجاه بعضها البعض بشكل طبيعي، وبالتالي فإن انصهار الثقافة يأتي حينها بشكل طبيعي ايضا..وطالب مهدي: بضرورة ربط الثقافة بآليات التنمية والتطوير. وكان اخر المتداخلين في الندوة د. اكوي نائب مدير جامعة اعالي النيل، مشيرا الى ان السودان قد مني بثقافات متعددة جذورها ضاربة في التاريخ، وهذا الغنى يزيد المشهد الثقافي السوداني ويدعمه ويؤكد اصالته وتاريخيته، وانه من الواجب على السودانيين المحافظة على اصالة هذه التعددية تحت لواء الانتماء الواحد. وقال: اكوي نحن نلتقى اليوم هنا، وجئنا كسودانيين نختلف في الملبس وفي الملامح لكن جئنا هنا نحمل انتماء واحدا هو السودان، ومنذ الجذور الاولى لتاريخ الثقافة السودانية وتعدديتها فقد مرت عليها حقب تاريخية وتبدلات طورتها في مراحل، مثل ما فعل الاسلام مثلا، وهناك حوار ثقافي ممتد عبر حقب التاريخ السوداني، لكن اذا اردنا مناقشة امر هذه التعددية، ومسألة كيف نصل الى ثقافة سودانية جامعة فعلينا ان نفكر في آليات التطوير، ونفكر في التحديات التي تواجهنا. وقال اكوي: هناك اليوم التحدي الكبير في العولمة التي يتوجب ان نتكاتف من اجل ان لا تجرفنا في تيارها، علينا الاعتماد على المؤسسات الفاعلة والمعنية بهذا الامر في المجتمع، فلدينا الجهاز الاعلامي الذي بامكانه ان يصل الى اطراف هذه الثقافة المتعددة ويوصلها للمركز، والعكس صحيح، هناك المسارح، هناك الدراما، هناك العديد من الاقنية التي توفر فرصاً كبيرة للحوار وتحقيق التناغم الوحدوي في ظل التعددية ايضا. كتب مرعي الحليان: