الخميس 5 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 6 فبراير 2003 اقتحمت المرأة ومنذ وقت طويل مختلف مجالات العمل وامتهنت العديد من الحرف والوظائف وحقق البعض منهن نجاحات باهرة اثبتت واكدت كفاءة الجنس الناعم في انجاز مهام قد يصعب على بعض الرجال انجازها. وتعود علاقة الجنس الناعم بالطيران الى العام 1910 حيث حلقت بلانش سكوت بالطائرة التي سمح لها بوضعها في مكان آمن بعيداً عن مدرج المطار، كما حصلت هاريت كويمبي على اول رخصة طيران تمنح لامرأة في التاريخ العام 1911، وهي التي دخلت التاريخ بعد ذلك بعام واحد حين عبرت بطائرتها القنال الانجليزي. وهكذا فتح اولئك النسوة الباب واسعاً امام بنات جنسهن اللائي اصبحن يقدن الطائرات التجارية العملاقة والمقاتلات الحربية وينافسن الرجال في سباقات الطيران ويقمن بصيانة محركات الطائرات النفاثة ويعملن في مختلف المجالات الاخرى ذات العلاقة بالطيران. ولم تكتف المرأة بذلك بل زاحمت الرجل في مجال الفضاء وسمع العالم عن فالنتينا تريشكوفا، تلك الفتاة الروسية بنت الريف التي اصبحت اول رائدة فضاء في العالم حيث انطلقت بها المركبة فوستوك صبيحة السادس عشر من شهر يونيو العام 1963 وهبطت داخل كبسولة فضائية من ارتفاع عشرين الف قدم في منطقة كاراجاندا في كازاخستان في التاسع عشر من الشهر ذاته بعد ان مكثت ثلاثة ايام داخل المركبة وهي تدور حول الكرة الارضية ثماني واربعين دورة اهلتها لنيل ارفع الاوسمة في الاتحاد السوفييتي السابق وهو وسام لينين وللحصول على لقب «فارس الاتحاد السوفييتي» وفتحت امامها ابواب عالم السياسة واصبحت عضواً بمجلس السوفييت الاعلى وابريسيديوم وهو لجنة عليا تابعة للحكومة السوفييتية. وبرغم احتفاء العالم بانجازات المرأة في مجال الفضاء، وبرغم انضمام اعداد متزايدة من النساء الى برامج الفضاء التي تتطلب مهارات علمية شديدة التعقيد، الا ان بعض النساء فقدن حياتهن في احداث تراجيدية بعد تحطم المركبات الفضائية التي كن بداخلها وهي تنطلق من الارض او تعود اليها بعد رحلات علمية تستغرق عدة ايام. انطلق مكوك الفضاء تشالنجر من قاعدة كيندي الجوية بولاية فلوريدا صبيحة الثامن والعشرين من شهر يناير 1986 وعلى متنه سبعة رواد فضاء من بينهم امرأتان هما جوديث ريزنيك وكريستا ماكولايف. كان الجو صحواً، ولم تكن تلك الرحلة الاولى لرائدة الفضاء ريزنيك، فقد سبق لها وان كانت ضمن رواد الفضاء الذين كانوا على متن المكوك ديسكفري العام 1984، وهو الفريق الذي اطلقت عليه وكالة الفضاء الاميركية اسم «قاهر الجليد» لنجاحه في اذابة الكتل الجليدية التي تراكمت بمقدمة المكوك. كان خبراء وكالة الفضاء الاميركية يتوقعون نجاح مكوك الفضاء تشالنجر في رحلته. وبدأ العد التنازلي لانطلاق المركبة. انطلق المكوك في التوقيت المحدد تماماً تاركاً وراءه سحباً من الدخان وضجة هائلة. ولم تمض سوى لحظات وتسمرت اعين الخبراء والملايين الذين كانوا يتابعون انطلاق تشالنجر على شاشات التلفزيون، فقد انفجر المكوك وبدأ يتخذ مساراً عكسيا هابطاً نحو الارض منهياً بذلك حياة رواد الفضاء السبعة وناثراً في الفضاء ملايين الدولارات التي انفقتها ناساً في تجهيزه. وكانت ريزنيك من بين الضحايا. وعلى متن المكوك ذاته كانت رائدة الفضاء كريستا ماكولايف المدرسة خريجة جامعة فرامينجتون والحاصلة على درجة علمية في التاريخ والعضوة النشطة بجمعية المرشدات. كانت تتطلع لتسجيل اسمها في كتب التاريخ كرائدة فضاء، تنطلق نحو الاعالي وتعود الى الارض ويلتف حولها تلاميذها وتلميذاتها يملأهم الشوق لسماع حكاياتها عن اول رحلاتها الفضائية. الا ان التلاميذ وبدلاً من ان يلتفوا حول معلمتهم المحبوبة صفعهم الحزن وهم يتابعون تلك اللحظات الرهيبة التي انفجرت فيها المركبة. ولم تعد المعلمة، ولم يستمع التلاميذ للحكايات التي كانوا يحلمون بسماعها. وفي الاول من شهر يناير الحالي كان رواد الفضاء على متن المكوك كولومبيا يتأهبون للهبوط بقاعدة كيندي الجوية بعد قضاء ستة عشر يوماً قضوها في انجاز ابحاث ودراسات علمية. رائدتا الفضاء لوريل بلير سالتون كلارك، خريجة جامعة ويسكونسن والحاصلة على درجة علمية رفيعة في علم الاحياء، والام لطفل والعاشقة لرياضة الغوص، وكالبانا شاولا، الاميركية من اصل هندي والحاصلة على درجة الدكتوراه في هندسة الطيران والتي سبق لها الدخول في هذه التجربة حيث قضت الفترة من التاسع عشر من شهر نوفمبر وحتى الخامس من شهر ديسمبر 1997 وهي تدور داخل المركبة اس تي اس 87. كان المكوك يطير على ارتفاع مئتي الف قدم وبسرعة ثلاثة عشر الف كيلومتر في الساعة ولم تتبق سوى عشرين دقيقة ليهبط بالمدرج المحدد. وكان خبراء ناسا يتابعون، والعالم كله لحظة الهبوط، وفجأة ومن ذلك الارتفاع الشاهق تتحطم احلام من في الارض ومن في الفضاء مع تحطم المكوك وتناثر الحطام فوق منطقة شاسعة. ولقي الرواد ومن بينهم امرأتان حتفهم في واحدة من اكثر الحوادث تراجيدية وتحطمت احلام عظيمة بتحطم كولومبيا. ولكن ما الذي يجعل بعضاً من بنات الجنس اللطيف يمتهن مثل هذه الوظائف التي يحيط بها الخطر من كل جانب؟ انهن بشر، وامتهن هذه المهنة للاسباب نفسها التي جعلت الرجل يمتهنها. انه عشق الطيران، وحلم تحقيق الذات ونزعة توظيف المهارات والتطلع لكسب الاحترام، وهو فوق هذا وذاك الاحساس العميق بالانتماء الى عالم كبير ومتماسك وقوي هو عالم الطيران. ولا فرق بين رجل وإمرأة حتى داخل مركبة فضاء. مأمون الباقر