الاحد غرة ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 فبراير 2003 «ان المسئولية تقع علينا جميعا في تأمين الرعاية البيئية والعناية بها، وتسليمها سالمة من الاضرار للاجيال القادمة.. وموضوع حماية البيئة لا يعد شعارا لنا في دولة الامارات العربية المتحدة، بل هو جزء من تاريخنا وتراثنا ونمط حياتنا». صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لقد مر العالم بحروب قاسية من الصعب تجنب ويلاتها، وكان لتلك الحروب آثار سيئة على البيئة، فقد احدثت الحربان الاولى والثانية اضرارا بالغة بالكائنات الحية لم تزل بصماتها دامغة حتى اليوم في هيروشيما ونجازاكي، ولم تزل فيتنام تعاني من خطر تلوث البيئة، فقد تحولت غاباتها الى صحراء محروقة ملوثة يصعب على الخبراء معالجتها من جراء تساقط الصواريخ والقذائف السامة خلال الحرب عليها. ان تنظيف وحماية البيئة عامل اساسي في حماية الانسان وحقه في الحياة، فالحرب احدى العوامل التي تشكل خطرا عليها. يذكر في اواخر يناير عام 1991 ان العالم عرف اكبر انسياب لكميات ضخمة من النفط في الخليج العربي، احدثت بقعة كبيرة شكلت تهديدا على الحياة البحرية والساحلية ومواردها من جراء القصف المتبادل بين العراق من ناحية وقوات التحالف الدولي من ناحية اخرى على المنشآت النفطية. وللتعرف على مدى الاضرار الناتجة عن التلوث والخسائر التي الحقتها هذه البقعة، علينا ان نتناول اقرب حادثة تسرب وقعت في تاريخنا المعاصر. ففي اوائل عام 1989 وفي منطقة فالديز بالأسكا ارتطمت باخرة نفط بصخرة في عرض البحر ونتج عن ذلك الارتطام تسرب ما يقرب ما احد عشر مليون جالون من النفط، وحصل لذلك عملية تنظيف لهذه البقعة تمت تكاليفها على الوجه الآتي: ـ شارك في التنظيف 12 ألف رجل اجرة كل منهم 17 دولارا بالساعة. ـ شاركت في العملية ألف و385 سفينة على مراحل عدة، اجرة السفينة الواحدة 8 آلاف دولار يوميا، وشملت عملية التنظيف احجار البحر وصخوره، كما اصيب 3 آلاف و300 طائر وحوالي ألف حيوان بالأمراض، بينما تم انقاذ 230 حيوانا احتاج الواحد منها الى مبلغ بلغ 40 ألف دولار نظير الانقاذ. اما التعويضات التي اعطيت للصيادين فبلغت 75 مليون دولار ودامت العملية ستة شهور. ان هذه البقعة رغم كل هذه التكاليف تعد صغيرة بالنسبة لبقعة الخليج السابقة الذكر. ان بقعة النفط التي انتشرت في الخليج تقدر بمئات الملايين من البراميل حسب تصريحات شئون البيئة في 10/3/1991، بينما بقعة ألاسكا تقدر باحد عشر مليون جالون نفطا، وهنا يتضح لنا الفارق الشاسع في الخسائر. أضف الى هذه البقعة بقعة اخرى حدثت بعد غرق ناقلة النفط «زينب» العراقية في ابريل عام 2001 (قبالة شاطيء جبل علي بدبي) وكلف غرقها ملايين الدراهم انفقت على عملية تنظيف البقع النفطية الناتجة عنها، بالاضافة الى تدمير واسع للحياة البحرية في مياه وقاع وشواطيء الخليج. ان تلوث مياه الخليج يشكل اهمية استراتيجية علاوة على الاهمية البيئية، وتبرز هذه الاهمية في اعتماد دول الخليج الكبير على تحلية مياه البحر كمصدر رئيسي للمياه العذبة، ليس فقط في الشرب، بل في الري والزراعة. ومن المتوقع ان يزداد هذا الاحتياج بالزيادة المطردة للسكان. ويظهر مدى اعتماد دول المنطقة على مياه الخليج كمصدر للمياه العذبة في ان المملكة العربية السعودية تقوم وحدها بتحلية ثلاثة ملايين متر مكعب يوميا لسد احتياجاتها من المياه العذبة. بينما في الامارات تشير الدراسات ان محطات التحلية انتجت 500 مليون متر مكعب من المياه العذبة عام 2000، مع توقع زيادة الاحتياجات الى اكثر من ضعف هذه الكمية، وبالتحديد كما يقول الدكتور أكمل عبدالحكيم الى ما يقرب من ألف و200 مليون متر مكعب بحلول عام 2025. وحاليا تنفرد دول الخليج بأكثر من 60% من كل محطات التحلية في العالم، حيث تبلغ محطات التحلية في المنطقة اكثر من 4 مليارات متر مكعب. ان وجود صناعة النفط بحجمها الراهن داخل مياه الخليج وعلى شواطئه، والاعتماد المتزايد من جانب السكان على المياه العذبة المستخلصة من مياه الخليج يعد من الامور التي تجعل قضية التلوث ذات ابعاد «بيئية واستراتيجية واقتصادية» وعلى هذا يجب ان تسارع حكومات وشعوب المنطقة لوقف استمرارية التلوث في الخليج من اجل تأمين مستقبل اجيالنا العربية القادمة. ان الدكتور اكمل عبدالحكيم في كلمته عن البيئة المائية في الخليج العربي، القى ضوءا كشافا لخطورة التلوث وأبعاده البيئية والاستراتيجية والاقتصادية، فالكلمة دعوة للاسراع لوقف هذا الخطر المستمر للخليج اولا، ودعوة للتوعية البيئية ثانيا. الوعي البيئي ويا حبذا لو اضفنا بعدا رابعا لابعاد قضية التلوث الثلاثة ـ بعدا يتعلق بالسياسة الوقائية وهو الوعي البيئي والتربية البيئية وبهذا تتواكب الوقاية مع العلاج. فالتربية البيئية بمحاورها المتعددة تهدف الى توعية وتبصير الاجيال بالاخطار المحدقة بهم، اي انها ترمي الى الوقاية، والوقاية خير من العلاج. فإذا كانت هناك استراتيجية عربية للتربية والوعي البيئي تنطلق من الخليج العربي الى كافة بلدان الوطن العربي، فسوف يكون مجرد وجود هذه الاستراتيجية دعوة لوقاية اجيالنا القادمة ـ كوحدة ـ من اخطار التلوث. ولسائل ان يسأل ما هي محاور هذه التربية البيئية؟ أقول انها بايجاز: اولا: محور الوعي البيئي من خلال الاعلام بكافة انواعه. ثانيا: محور التربية البيئية في مراحل التعليم المختلفة ويدخل في نطاق هذا المحور المنهج واعداد المربي (المعلم). ثالثا: محور التوعية البيئية عن طريق الجمعيات التطوعية وغيرها. وقد فصل القول في ذلك الدكتور سيف الغيص في كلمته في ندوة البيئة والمتطلبات الاقتصادية والدولية في 20 يناير 2001 بأبوظبي وتحت رعاية سمو الشيخ الدكتور سلطان بن خليفة آل نهيان رئيس ديوان ولي عهد أبوظبي. رابعا: دور التشريعات الدينية لحماية البيئة. فإذا سارت الوقاية جنبا الى جنب مع العلاج، سيكون هذا اكثر قوة من العلاج بمفرده ـ لوقف التلوث المستمر للخليج، وأكثر فاعلية لتنشئة جيل يحس بالمشاركة الوجدانية ويتعاطف مع مشاكل وطنه العربي الكبير. د. محمد أحمد عبدالهادي دكتوراه فلسفة في العلوم التربوية أستاذ الثقافة الاسلامية لغير الناطقين بالعربية ـ جامعة عجمان