السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 شاع استخدام الجسور المعلقة خفيفة الوزن في المناطق الجبلية في تايوان والتي استخدمت لعبور الوديان وللوصول الى القرى العالية. وكلما أثير موضوع بناء تلك الجسور كلما ذكر اسم لين شيهمو. فخلال الخمسين عاماً التي كرّس فيها لين حياته لمهنته، قام بتصميم والاشراف على بناء حوالي 200 جسر معلّق تنتصب كأقواس قزح فوق الانهار وعبر الممرات والوديان. ولم يخطر أبداً ببال لين ان يحفر اسمه ولو حتى على عدد قليل من أعماله. ولكن بدون أي ترويج لذاته، فإن لين استطاع ان يترك بصمته الواضحة على أعماله، مما أكسبه لقب «استاذ الجسور المعلقة التايوانية». والى أن أقعده المرض في عام 1999، كان قد ترك بصماته في كل انحاء الجزيرة حيثما تكون هناك حاجة لانشاء جسر منخفض الموازنة. وتفيد التقديرات أن أكثر من نصف الجسور المعلقة في تايوان هي من ابداعه. ولد لين في عام 1930 لأسرة ريفية فقيرة في مقاطعة نانتو بوسط تايوان. وتوفيت والدته عندما كان لايزال في الثالثة من عمره، وعلى الرغم من ان حياته اليومية كانت مثقلة بالأعمال الاعتيادية الشاقة في المزرعة، إلا ان لين استطاع ان ينجح في المدرسة. بل انه تميز من بين زملائه بدرجة أتاحت له النجاح في امتحان القبول لمدرسة أوساكا الثانوية في اليابان. ولكنه اضطر الى التخلي عن هذه الفرصة لأسباب مالية وللتوقيت غير الملائم، فقد كانت اليابان القوة الاستعمارية التي تحتل تايوان، على وشك الانهزام في الحرب العالمية الثانية. وبعد ذلك، حوّل الفتى اهتمامه الى اكتساب مهارات في مجال البناء ستمكنه من كسب عيشه، وفي عام 1984 عمل متدرباً لدى هوانغ شيهينغ ولين وانكي المقاولان الرئيسيان في مجال الجسور المعلقة. ومنذ ذلك الحين بدأ لين يعيش مثل الغجر، فينتقل باستمرار من موقع انشاءات لآخر. وأكمل لين تدريبه في عامين، ثم أسس عمله الخاص كمقاول. وتراوحت قائمة عملائه من الهيئات والمشروعات الحكومية مثل مكتب ادارة الغابات التايواني وشركة الكهرباء التايوانية الى ملاك الأراضي من القطاع الخاص والقرى الجبلية. كان كل مشروع من مشروعات لين يبدأ بفحص شامل للتركيبة الجيولوجية للموقع المختار، وكان اجراء مثل هذا العمل بدون وسائل النقل الحديثة والادوات الهندسية التي يعتبرها المهندسون اليوم من المسلمات، كان عملاً صعباً وخطراً ومستهلكاً للوقت، والمواقع المثالية لنصب القواعد الاساسية للجسر هما النقطتان اللتان تشكلان أقصر امتداد، ولكنهما يوفران في الوقت نفسه أرضية صلبة لتحمل قوة الشد التي تفرضها أسلاك الشد والحمولة التي يتوقع أن يتحملها الجسر. وحالما كان يتم اختيار المواقع الملائمة، كان لين شيهمو يقوم باعداد التصميم المعماري للجسر تبعاً للمواصفات المطلوبة والمبلغ المرصود في الميزانية. وكان التصميم المفصّل يتضمن حساب طول وعرض الجسر وسماكة السلك وحجم ونوع الهياكل الفولاذية وعدد وأبعاد دعامات الجسر والتأثير المحتمل على انسيابية النهر إذا كان من الضروري اضافة دعامات اضافية في مجرى النهر. وفي ظل غياب التدريب الأكاديمي في الهندسة، اعتمد لين على خبرته العملية في معالجة أعمال التخطيط والتصميم. ويقول لين تشين تاين الإبن الأكبر للين شيهمو ونائب مدير لجنة البحث التاريخي في اقليم تايوان: «ليست لدي الفكرة كيف استطاع أن يقوم بذلك بخلفيته المحدودة في الرياضيات، وكل ما أعرفه هو ان خبرة والدي علمته كل شيء. فعلى سبيل المثال ينبغي أن تكون الاسلاك العمودية التي تشكل جناحي الجسر مرتبة بشكل جيد بحيث تبدو المساحات الفاصلة على طول المنحنيات الرئيسية مستوية وتبعث السرور في النفس. لقد كان يقوم بالحسابات بدون مساعدة أي أداة حديثة». وانطلاقا من اعجابه الكبير باخلاص والده لعمله ومساهمته في تطور تايوان، قام لين تشين تاين باطلاق مشروع بحثي مهم وهو توثيق تاريخ سيرة والده المهنية. بدأ الابن مشروعه باجراء حوار مع والده وبتتبع طاقم العمل أثناء تنقله في انحاء الجزيرة. وكانت التجربة تلك بمثابة احياء لأيام طفولته، فقد كان لين الأب يأخذ زوجته وأولاده معه اثناء تنقله من مشروع لآخر. ويقول لين الابن مستذكراً تلك الأيام: «قضينا طفولتنا نتنقل من كوخ مؤقت لآخر. وكنا نقيم في بعض الأحيان في ملجأ قريب من القنابل من أجل توفير المال والجهد المطلوبين لبناء كوخ للسكن، وفي أغلب الأحيان، كان موقع البناء نائياً جداً لدرجة أننا كنا نضطر الى سحب مياه الشرب من النهر واستخدام الشب لتنقية المياه عندما كانت تبدو عكرة. وكنا نحن الأطفال نساعد في التقاط الخضرة البرية الصالحة للأكل من أجل الطعام، وأول مرة تعلمت فيها كتابة إسمي والأرقام العربية لم تكن على قطعة من الورق في صف دراسي. فقد علمني والدي باستخدام عصا على أرض رملية». ومن خلال البحث الذي أجراه أصبح لين الإبن مطلعاً على عملية بناء الجسور، ويشير بهذا الخصوص الى أن العملية المتعلقة بتركيب الحبلين السلكيين الرئيسيين هي أخطر مرحلة في العمل، فقد كان يتعين على سبّاح قوي أن يسحب الكوابل عبر النهر، ثم يتم استخدام رافعة للمساعدة في رفعها لكي يتم تثبيتها بقمة الدعامات. فإذا انزلقت الحبال السلكية واصطدمت بالعاملين أثناء هذه العملية، فإنها قد تسبب إصابات خطيرة بل وقاتلة للضحايا. ولكي يتم العمل بسلاسة وأمان، كان فريق العمل يقوم بتقديم قرابين من اللحم والسمك والفواكه للآلهة التي تحكم الجبال والماء والأرض في طقوس يتخللها حرق الخور، وكانت الطقوس نفسها تتكرر عند اتمام المشروع، وإذا كان يتعلق بقرية ما، فان أهالي القرية يحتشدون عند الجسر ويقدمون القرابين، ثم يقوم إثنان من أكبر الأشخاص في القرية بقيادة الحشد عبر الجسر الجديد في إشارة رمزية الى التعمير المأمول للجسر. وهناك محرمات معينة ينبغي على العاملين أخذها في الاعتبار أثناء فترة البناء. ومن هذه المحظورات الصغيرة على الجسور غير المكتمل والدوس عليه بالخف (الشبشب) أو القبقاب والسماح للنساء الحوامل بالمشي عليه. ضرار عمير