الخميس 27 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 30 يناير 2003 يعتبر نخيل البلح من محاصيل الفاكهة المميزة للمنطقة العربية والدول الاسلامية وترجع أهميته الى انه يحتمل الظروف البيئية القاسية مثل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وندرة المياه والملوحة الزائدة واحتياجاته المائية القليلة. مما يؤكد القدرة الفائقة لهذه الشجرة في مقاومة الظروف البيئية القاسية السائدة في الأقطار العربية. ولذا سميت شجرة الحياة التي تلعب دورا حيويا في مكافحة التصحر واستزراع الصحراء وايجاد مجتمعات عمرانية جديدة. وعن انتاج نخيل «مهندس» وراثيا مقاوما للآفات يقول: الدكتور محمود محمد صقر استاذ التكنولوجيا الحيوية النباتية بالمركز القومي للبحوث والباحث الرئيسي لثلاثة مشاريع دولية في مجال الهندسة الوراثية للنخيل: في البداية لابد أن أشير الى أهم المشاكل التي تعوق زيادة المساحة المزروعة من النخيل: فالمعروف ان شجرة النخيل معمرة وحيدة الجنس ويترتب على ذلك عدم امكانية استخدام البذور في زراعة النخيل حيث أن 50% من النباتات البذرية مذكرة و50% مؤنثة والنباتات المذكرة لا تثمر. وعدم امكانية اجراء برامج تربية بالطرق التقليدية لإنتاج اصناف جديدة عالية الجودة وهذا سوف يحتاج الى 20 عاما على الأقل. والحل الوحيد لاستزراع النخيل هو الفسائل التي تفصل من الأمهات «الإناث» المثمرة ولكن عددها قليل لا يتجاوز 7 لكل نخلة في حياتها ونسبة نجاحها في الزراعة بعد النقل قليلة وارتفاع ثمنها. والمشكلة الرئيسية التي تعوق زيادة المساحة المزروعة من النخيل كما يقول الدكتور محمود صقر هي الآفات: ويوجد نوعان من الآفات القاتلة التي تهاجم شجرة النخيل في العالم العربي وهما: سوسة النخيل الحمراء والتي تعرف بايدز النخيل الذي انتشر في منطقة الخليج في منتصف الثمانينيات ومن الخليج الى مصر وأنثى واحدة من السوسة تستطيع ان تنتج 6 ملايين سوسة أخرى في ثلاث أجيال فقط. وتخترق ملايين اليرقات جذوع أشجار النخيل وتستقر في نخاعها تنهشه في أيام معدودة ولا أحد يستطيع كشفها بسهولة حيث لا تظهر الأعراض وفجأة تسقط الشجرة ويشير الى أن معظم طرق المكافحة بالرش السطحي بالمبيدات غير فعالة. أما الإنسان العربي فقد ساهم في المشاكل التي واجهت شجرة الحياة ففي مصر فإن البحيرة التي تكونت أمام السد العالي قتلت الملايين من أجود أنواع التمور، أما في العراق ومنطقة الخليج العربي فقد دمرت وحرقت الآلاف بسبب الحروب المتتالية اضافة الى الزحف العمراني في أماكن زراعة النخيل وتسابق الدول العربية وراء ادخال محاصيل فاكهة تسمى غير التقليدية مما جعل المزارعين يهربون من زراعة النخيل. وعن دور الهندسة الوراثية في التغلب على هذه المشاكل يقول الدكتور محمود: أكدت الدراسات والطرق الحديثة في التقانات الحيوية والهندسة الوراثية أنها الحل الأمثل والوحيد للتغلب على معظم مشاكل النخيل وأهمها مشكلة نقص «الفسائل» وارتفاع سعرها وقلة اعدادها فقد تم استخدام تقنيات زراعة الخلايا والأنسجة في الاكثار السريع والمكثف للنخيل. وقد نجحت هذه التقنيات في بعض الدول العربية الرائدة مثل المغرب وتونس ومصر وقد ساهمت الخبرة المغربية في دولة الامارات العربية المتحدة والسعودية. أما التغلب على مشكلة صعوبة التفريق بين الأصناف فقد استخدمت البصمات الوراثية في التغلب على هذه المشكلة وكذلك في التأكد من مطابقة النباتات الناتجة من مزارع الأنسجة للأمهات «مراقبة الجود». ونجحت هذه الطريقة في مصر والمغرب. وعن الآمان الحيوي لنخيل البلح المهندس وراثيا والمقاوم للآفات يقول الدكتور محمود صقر. اينما كانت هناك تكنولوجيا جديدة تهدف الى تطويع العلم لخدمة الإنسان والبشرية فهناك مخاطر ثانوية وهذا طبيعي في أي عمل من صنع الإنسان ولكن هذه المخاطر الثانوية لمخاطر الهندسة الوراثية يمكن التحكم فيها بسهولة من خلال اتباع قواعد من أهمها عمل الترتيبات اللازمة بحيث تكون المحاصيل المهندسة وراثيا على بعد من النباتات والمحاصيل المجاورة طبقا للقواعد المعمول بها في التهجين والتأكيد من عدم وجود نباتات «أعشاب أو حشائش» تقبل التهجين مع المحصول المهندس وراثيا في نفس الحقل أو في المنطقة المجاورة له أو في المرمى الذي يمكن ان تصله حبوب اللقاح بفعل الرياح أو الحشرات. وقد يصعب تحقيق ذلك حيث أن بعض الحشرات تستطيع الطيران لمسافات طويلة نسبيا لذا يوصى بزراعة او عمل سياج حول حقل الهندسة الوراثية. مع استخدام مبيدات الحشائش قبل وبعد الزراعة والحصاد وذلك للقضاء على أي بذور حشائش أو حشائش قد تكون موجودة في التربة. وعن الآراء المتداولة حاليا بين المؤيديون والمعارضوين لمنتجات الهندسة الوراثية يقول الدكتور محمود: هذا الجدل مستمر بين العلماء ولكننا يمكن أن نوضح أولا: ان المحاصيل المهندسة وراثيا والتي لها القدرة على انتاج البروتينات البلورية السامة نتيجة لوجود جين Bt بهذه المحاصيل مثل القطن والذرة والبطاطس وغيرها، مثل هذه المحاصيل لا تحتاج الى رش مكثف بمبيدات الحشرات وذلك للقضاء على دودة ورق القطن أو ثاقبات الساق كما في الذرة، وانتاج مثل هذه المحاصيل أدى الى خفض استخدام المبيدات الحشرية بمقدار 2 مليون رطل، وما يترتب على ذلك من توفير مصاريف المقاومة الكيماوية للحشرات وبالتالي زيادة العائد الاقتصادي من هذه المحاصيل. ثانيا: إن استخدام المبيدات بكافة أنواعها وبمثل هذه الكميات الرهيبة كان يفتك بالحشرات الطبيعية التي تنمو في حقل القطن والذرة علاوة على دودة ورق القطن وثاقبات الساق وفي بعض الأحيان يمتد هذا التأثير القاتل والمباشر الى الحيوانات واحيانا تسمم الإنسان في الدول الأقل تقدما، أما التأثير غير المباشر لهذه الملايين من أطنان المبيدات فيحدث من خلال تسرب هذه المبيدات الى مياه الصرف والمياه الجوفية ومصادر المياه عموما ومايترتب على ذلك من أضرار جسيمة على الصحة العامة. ثالثا: هناك عدم وضوح في المعلومات التي يتم تداولها بين العامة والتي غالبا ماتكون مترجمة أو منقولة - فجين البروتين البللوري غير فعال في الإنسان وحيوانات المزرعة حيث لا يظهر الا في وسط قاعدي في المعدة وهذا غير متوفر في الوسط الحامضي للمعدة. والأهم من ذلك كما يقول الدكتور محمود صقر في اكتشاف جيل جديد من الجينات التي تثبط أو تعطل عمل بعض الانزيمات عليه من ألياف النباتات وتصاب بعسر هضم وتموت بدون استخدام مبيدات أو سموم. وهذه البروتينات «مثبطات الأنزيمات» توجد طبيعيا في كل الكائنات الحية والأكثر من ذلك أن الأفراد الذين يلجأون الى ريجيم غذائي لانقاذ الوزن يتناولون أغذية محددة ذات محتوى عال من هذه البروتينات. وبعض اغذية التخسيس تحتوي على مثبطات الانزيمات حيث يستطيع الفرد - مثلا - ان يتناول النشويات ولا يزداد وزنه حيث تمنع هذه الانزيمات تحويل النشويات الى سكر فلا تمتص وهذه الأدوية «الأغذية» هي المقابلة تماما لعمل الأدوية «الأغذية» الهاضمة. ويؤكد د.محمود صقر أن الجدل سيستمر هذه طبيعة العلم والتكنولوجيا ويجب الا تكون نغمة المخاطر غير المتعمقة هي العائق الذي يجعلنا نتخلف عن ثورة الهندسة الوراثية واللحاق بركبها والاستفادة بتقاناتها. وعلى العالم العربي ان يهم لتوظيف الطرق الحديثة في الهندسة الوراثية والنقل الجيني في انتاج نخيل مهندس وراثيا مقاوم للآفات القاتلة. وعن أهم النجاحات التي تحققت على مستوى العالم في محاصيل استخدام الهندسة الوراثية يشير د.محمود صقر الى انه تم انتاج العديد من المحاصيل مقاومة للآفات باستخدام طرق النقل الجيني، فهناك القطن والذرة والأرز وكثير من المحاصيل التي نقلت لها جينات مثل البروتين (Bt) وبالتالي أصبحت مقاومة للأمراض الحشرية، وكذلك هناك عدد كبير جدا من المحاصيل التي نقلت اليها جينات مثل جين الكيتنيز والدفنسين والتي تمنح النباتات صفة المقاومة للأمراض الفطرية. وقد استخدمت ايضا بنجاح بعض الجينات المسئولة عن انتاج بروتينات مثبطة لانزيمات الحشرات في انتاج نباتات بسلة مقاومة لسوسة البسلة. ويشير د.صقر إلى انه من المعروف والثابت علميا ان معظم النبات الراقية تكون أنواع جديدة من البروتينات عندما تهاجم بواسطة الآفات وتسمى البروتينات المتعلقة بالأمراض وبدراستها اتضح انها عبارة عن بعض الآنزيمات المحللة للجدار الخلوي للفطريات مثل أنزيم الكيتنيز وبالتالي فإن لهذه البروتينات دوراً حيوياً في مقاومة الأمراض وقد نجحت بالفعل هذه الاستراتيجية عند نقل الجين المسئول عن انتاج الكيتنيز الى النباتات ما اكتسبت هذه النباتات الصفة المقاومة للأمراض الفطرية. وبالرغم من كل هذه النجاحات تبقى مشكلة الآفات في النخيل بدون حل جذري والسبيل الوحيد للخروج من هذه الأزمة هو اللجوء الى طرق الهندسية الوراثية. القاهرة - عفاف السيد: