الخميس 27 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 30 يناير 2003 لا يذهبن بك الظن الى أن هذا العنوان ضرب من العبث اللغوي، ينطوي على تعمية للتسلية، أو يرمي الى امتاع النفس بالانتقال من الطرد الى العكس. وانما هو نقد محض، ينتمي قسمه الأول الى النقد القديم، وقسمه الثاني الى النقد الحديث، والقسمان معا ينزعان عن قوس واحدة، وهي التعبير عن كثير المعنى بيسير اللفظ، وتوفية الفكرة حقها من التصوير الفني والانفعال النفسي وفق معيار معروف من معايير البلغاء، وهو: البلاغة والايجاز. واذا كان هذا المعيار صالحا للكشف عن صور الابداع في انماط كثيرة من النثر الفني كالأمثال والتوقيعات وجوامع الكلم التي تطالعك في الحديث النبوي الشريف فهو في ميدان الشعر أصلح وأوضح، لأن الشعر يلتمع في سماء الادب التماع الصواعق البوارق التي تتخطف الاحداق، ولا ينبسط انبساط النثر في افاق الفكر المترامية الاطراف. وعلى هذه الحقيقة النقدية وقع ابو عبادة البحتري حينما قال: والشعر لمح، تكفي اشارته وليس بالهذر طولت خطبه وعلى هذه الحقيقة او على ما يقاربها كان النقاد يقعون كلما فاضلوا بين الشعراء، اذ كان سائلهم يسأل: من قائل هذا البيت؟ فيقال له: فلان، فيقول: هو أشعر الناس، او هو أشعر الانس والجن، وكأنه بهذه الشهادة يبايع صاحب البيت بامارة الشعر، وهي إمارة ممهورة ببيت واحد. وربما كان هذا البيت مطلع قصيدة طويلة كقول امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل وربما كان واسطة العقد في القصيدة كقول جرير: فغض الطرف، انك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا ومثل هذا البيت حيثما وقع كان يسمى «بيت القصيد» أي: هو أجود أبيات القصيدة ومحورها وجوهرها. وبيت القصيد كان في أغلب الاحيان،، وعند أشهر الشعراء حكمة قيمة، تغذو عقل الانسان كقول النابغة: ولست بمستبق أخا، لا تلمه على شعث، أي الرجال المهذب؟ أو مثلا لخص موقفا، ثم سارت به الركبان، حتى غدا ينطبق على مواقف كثيرة كقول عمرو بن الحارث: وكنت اذا قوم غزوني غزوتهم فهل انا في ذا يا لهمدان ظالم؟ او معنى مبتكر لم يتخلج قبل في ذهن شاعر كبيت امرئ القيس السابق، او تلخيصا لتجربة انسانية، يعتبر بها البشر كقول أبي الطيب المتنبي: ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن وربما كان بيت القصيد ترسيخا لفضيلة لا يماري أحد في منزلتها، او توبيخا لرذيلة لا ينكر احد سقوطها كقول ابي الطيب المتنبي: من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت ايلام او تعبيرا عن موقف سياسي حرج، او ايمانا بمبدأ اثبتت التجارب والاحداث صدقه وعمقه كقول أبي تمام: السيف اصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب اما قصيدة البيت ـ كما يفهم من كلام خليفة محمد التليسي ـ فهي ومضة خاطفة ولمحة عابرة، ودفقة شعورية حادة، ونغمة هاربة من السلم الموسيقي المألوف، واغنية فطرية بالغة القصر، تصب في عبارة مكثفة اشد تكثيف، مركزة اعظم تركيز، يجتمع فيها العمق الفكري، والتوتر العاطفي، والابداع الفني. ومازاد على ذلك فليس اكثر من صنعة واحتراف، وتنميق وتزويق. وقصيدة البيت بسبب هذه الخصائص قادرة على ان تنقل الى القارئ عناصر عاطفية متفجرة، وعلى ان تغمره بظلال لا حصر لامتدادها من الدلالات الشعرية الموحية التي تعيا بمثلها طوال القصائد. ولا يشترط في قصيدة البيت ان تصب حتما في بيت واحد مستقل، فمن الممكن ان تتجلى في بيتين تتضمنهما قصيدة طويلة، غير ان القصيدة الطويلة ليست اكثر من ذيول وفروع وعناصر ثانوية مكملة، غرضها ان تحوط البيت الجوهري المحوري بالبيئة المتممة كما تحمل الاغصان المورقة الثمرة اليانعة. وقصيدة البيت الواحد هي الاصل في الحياة، وهي الاصل في الشعر. وفحوى هذه الاصالة ان قصيدة البيت الواحد المفعمة بالحيوية المتفجرة، وبالنشاط الجم، تعبر عن الحياة الانسانية في عرامها ووثوبها، لا في نظامها ورتوبها، وفي تأرجها وتأججها لا في انكفائها وانطفائها. انها الجمرة المتقدة في رماد الزمن الخامد، والشعلة المضيئة التي ترسل أشعتها في كل اتجاه، لا لتبوح بما في قلب الشاعر وحده، بل لتبوح بما في قلوب البشر جميعا، وسبب هذا البوح انها تحس بما يحسون، ولكنها تعبر عن حسهم باسلوب يعيون عن محاكاته، واندفاع يقصرون عن مجاراته. وتعليلا لاصالة هذا النمط من الشعر، وتسويغا لظهوره في اقدم العصور الادبية العربية ذهب التليسي في كتابه قصيدة البيت الواحد الى ان الشاعر قد يخضع في حياته الى انماط كثيرة من الضغط، بعضها نفسي، وبعضها اجتماعي، وبعضها سياسي، منها ما يمارسه الحكام،ومنها ما تمارسه القبيلة، حينئذ يهرب الشاعر من اطاره القبلي الى اطاره الفردي، ليعبر عن ثورته وتميزه، فيسمح للسانه ان ينطلق طوع جنانه، فيتدفق شعره تدفقا فطريا متفلتا من رقابة الجماعة، ويصور ما يعانيه باسلوب صريح مكثف، لا منقح ولا ملطف، فاذا هو يصنع قصيدة البيت الواحد، فكأن جذور الانفعال الشعري الحقيقي ضاربة في أعماق التاريخ، أو كأن البناء الشعري مؤسس على الومضات السريعة لاعلى التجارب المتأنية التي يصقل لاحقها السابق. وبهذا التعليل ينفي المؤلف ما قيل عن ارتباط هذا النمط من الشعر ببعض المذاهب الغربية، وينكر ان يكون الحديث منه سيرا في ركاب الحداثة المستوردة. واذا كان «عزرا باوند» قد قال: من الافضل للشاعر ان ينجح في تسجيل استثارة واحدة بسطر او سطرين، فان ذلك خير له من كتابة الف سطر، فقوله هذا لا يعني ان قصيدة البيت الواحد اجنبية المنبت. لقد عرف شعرنا العربي ـ والرأي للتليسي ـ هذا النمط من الشعر منذ اقدم العصور، وابدع فيه اي ابداع. والدعوة الى اطرائه ليست ترديدا لصدى دخيل، وانما هي عودة الى تراث عربي اصيل، وفي هذا الاصل البالغ الغور في القدم يكمن جوهر الشعر العربي، وتتجلى حقيقته وطبيعته. فمن وقع على شيء من هذه الروائع اللوامع في شعر نزار قباني وشعر ادونيس فليعلم انها استمرار لما زخر به شعرنا القديم، وليس بضاعة جليبة من اسواق الغرب الادبية. ومحك النقد الذي تجرأ، وجاوز حده حينما نقل اليك افكار التليسي بغير الفاظها، يسمح لنفسه ان يجاوز الحد مرة أخرى، فيضرب على قصيدة البيت مثلا تداولته الالسنة طوال نصف القرن الماضي وهو قول عمر أبي ريشة: رب وامعتصماه انطلقت ملء افواه البنات اليتم لامست اسماعهم، لكنها لم تلامس نخوة المعتصم ان هذين البيتين وردا، كما يعرف كل القراء في قصيدة صورت نكبة فلسطين تصويرا موجعا، فجرت به غضب العرب، والقت تبعة الكارثة على التغافل والتخاذل، وعلى غفوة النخوة، وتبلد الحس القومي، وعجز الحكم عن قمع الظلم، ولهذا كله يمكن الحاق هذين البيتين بقصيدة البيت الواحد وان كانا اثنين. ولك ان تقول ـ وفي قولك حرارة الصدق ـ بل قصيدة البيت او بيت القصيد قول عمر: لا يلام الذئب في عدوانه ان يك الراعي عدو الغنم وتعلل رأيك تعليلا لا يخلو من دقة وعمق، فتقول: هذا البيت أصرح وأوضح، واعمق واصدق، فهو اقوى حسا، واجمل تصويرا، وادق تفكيرا، واجرأ تعبيرا، لانه يلقي الاتهام على اعناق الحكام. وما قولك عن الصواب ببعيد. ان هذا الرأي النقدي المتصل ببيت القصيد او قصيدة البيت الذي حدثك حديثه محك النقد ليس معادلة من معادلات الرياضيات والفيزياء، ولا قانونا من قوانين الفلك، ولا ناموسا كونيا يتعذر نقده ودحضه. وانما هو اجتهاد نقدي بني على ذوق، وبين الاذواق من الافتراق مثل ما بينها من الاتفاق. ومع ان صاحبه الاستاذ التليسي ناقد مدقق وفّى رأيه حقه من الدرس والتحليل في كتاب كامل، فان ناقدا لا يقل عنه ثقافة في النقد، وحصافة في الرأي ورهافة في الحس قابل هذا الرأي برأي آخر، وعن رأي الدكتور نعيم اليافي ستحدثك الخاطرة القادمة ان شاء الله. بقلم: د. غازي مختار طليمات