الخميس 27 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 30 يناير 2003 تمثل اللغة أرقى أقنية التواصل مع الآخرين، ولما كانت كذلك، فلقد لاقت ما تستحقه من تزيين وتنميق وزركشة، فأدى ذلك كله الى ولادة الشعر، مخلوقاً جميلاً رشيقاً راقصاً على أنغام الروح، وكان هذا المنتوج المعرفي أغنى ما جمعته الأمة العربية الشاعرة، فحفظته في الصدور قبل السطور، وتنافس في استمطاره من عوالم الخيال شعراء نال كل واحد منهم نصيبه من حسن الأداء وجودة السبك وعذوبة المعنى، الى ان خَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ أضاعوا البيان وابتعدوا عن أصول صنعة الكلام الموزون المقفى الذي له معنى، فجاء بعض الشعر الحديث كلاماً متقاطعاً لا وزن له ولا قافية ولا معنى. فاشتكى النقاد منه والقراء وبعض حُرّاس الشعر الحقيقي على حد سواء، فها هو الشاعر محمود درويش في افتتاحية مجلة «الكرمل» ينتقد: إن ما نقرأ منذ سنين بتدفقه الكمي والمتهور ليس شعراً، ليس شعراً إلى حدٍ يجعل واحداً مثلي متورطاً في الشعر منذ ربع قرن مضطراً لإعلان ضيقه بالشعر، وأكثر من ذلك يمقته، يزدريه، ولا يفهمه. إذ كيف تسنّى لهذا اللعب العدمي أن يوصل الى اعادة النظر والتشكيك بكامل حركة الشعر العربي الحديث ويفر بها عن وجدان الناس إلى درجة تحولت فيها إلى سخرية؟ لقد اتسعت تجريبية هذا الشعر بشكل فضفاض حتى سادت ظاهرة ما ليس شعراً على الشعر، واستولت الطفيليات على الجوهر، لتعطي الظاهرة الشعرية الحديثة سمات اللعب والركاكة والغموض وقتل الأحلام والتشابه الذي يشوش رؤية الفارق بين ما هو شعر وما ليس شعراً. والغريب أن الشاعر محمود درويش نفسه هو من نظم قصيدة (تعاليم حورية): (لا وقت للكلام العاطفي، عجنت بالحبق الظهيرة كلها وخبزت للسماق، عرف الديك أعرف ما يخرب قلبك المثقوب، بالطاووس، منذ طردت ثانية من الفردوس. أما من النقاد فقد تصدى الدكتور عبدالرحمن القعود لمسألة الإبهام في شعر الحداثة وعزا الأبعاد المؤدية الى الإبهام إلى أربعة: البعد الفكري والفلسفي: حيث تأثر شعراء الحداثة العرب بتيارات فكرية بعيدة المنبع عن الأصول الشرقية، بل عن الأفهام والأذواق العربية. البعد الميتافيزيقي: بما يحتويه من ما ورائية قد تضيع القارئ في مجاهل النص الشعري. البعد الصوفي: بما يحتويه الشعر الصوفي من رموز تأخذ شكل الألغاز إذا استخدمها شاعر غير متمكن. البعد الأسطوري: وهو رابعة الأثافي ومتاهة المتاهات حيث سلك الشعراء العرب هذا الطريق وضلّوا طريق العودة فضاعوا وضيعوا!! وسنكتفي ببسط الكلام في البعد الأخير مع أمثلة شاهدة على مدى ما أساء استخدام الأسطورة بشكل مبهم لقامات سامقة أمثال بدر شاكر السياب، عبدالوهاب البياتي ومحمد عمران. ففي (المومس العمياء) القصيدة المشهورة للسياب، يجد القارئ النمطي والمتمرس ـ على حد سواء ـ أمام أحجيات أربع يصعب فك شيفراتها: أحفاد (أوديب) الضرير ووارثوه المبصرون، (جوكست) أرملة كأس، وباب (طيبة) ما يزال، يلقي (أبوالهول) الرهيب عليه، من رعب ظلال، والموت يسأل في سؤال). ونقرأ في (مرثية إلى عائشة) عند البياتي، التيه ذاته وعدم قدرة القارئ على التواصل مع النقص بل عدم قدرة الشاعر على التواصل مع القارئ: (يموت راعي الضأن في انتظار ميتة جالينوس، يأكل قرص الشمس أوروفيوس، تبكي على الفرات عشتروت). أما محمد عمران فلقد جمع كشكولاً من الفلاسفة والأنبياء والخلفاء والخونة وغيرهم في سطرين: (أفلاطون ينبت في حذاء محارب، سقراط رأس فوق هامة جندب، قارون شحاذ، وقابيل قتيل، ووجه يوسف أحدب، هيلين عذراء، وهارون يصلي نصف عام، ثم يغزو، نصفه الثاني، مسيح في يهوذا، كيمياء تبدل الأشياء). وكي لا يُفهم أننا من أنصار المباشرية، فإننا نقف مع الدكتور عبدالقادر القط في مقولته: (إن قدراً من الغموض ضروري للشعر الجيد)، فالغموض الشفاف برأينا الوصفة السحرية التي تفتح مغارة النظم المتفوق والتي تستحق الخلود الأدبي عبر الزمان والمكان، فالمباشرية توقع الشعر بشرك النثر، والإبهام يوقعه في شرك العتمة والتضييع. ولنا في هذا المقام أيضاً أمثلة ثلاثة نزعم أنها عثرت على كنز الوسط السحري، ونبدأ مع شاعر العربية الأول المتنبي القائل: قدْ كانَ يمنعني الحياءُ من البُكا فاليوم يمنعُهُ البُكا أن يَمنعا فمع أن هذا البيت لا يمنح نفسه من القراءة الأولى، إلا أنه يمنحك الشعر كله بعد القراءة الثانية، شأنه في ذلك شأن محمد الماغوط القائل: (حسناً أيها العصر، لقد هزمتني، ولكنني لا أجد في كل هذا الشرق، مكاناً مرتفعاً، أنصب عليه راية استسلامي). فصحيح أن هذا المقطع الشعري أقرب إلى الوضوح من المتنبي، إلا أنه أيضاً أقرب إلى الناس وهذا مهم جداً للحصول على عملية تلقٍ ناجحة، والأقرب منهما معاً الشاعر نزار قباني الذي لا يبعد عن المباشرية سوى خطوة واحدة، ومع ذلك فإنه ينال رضى النقاد المتخصصين والهواة المتدربين والقراء الكلاسيكيين على حدٍ سواء، يقول: (أنا لا أفكرُ أن أقاومَ أو أثورَ على هواكِ، فأنا وكلُّ قصائدي من بعضِ ما صنعت يداكِ، إن الغرابةَ كلها أنّي محاطٌ بالنساءِ ولا أرى أحداً سواكِ). وإذا كان الدكتور عبدالله الغذامي يقول: (إن القصيدة لا تسلم قيادها إلا لمن صدق في حبها)، فإننا نرى ان الحب من القراءة الأولى للقصيدة أكثر جدوى في هذا العصر المتسارع من معاودة القراءة مرات ومرات، ولنا هنا أن نتذكر ما قاله جان كوكتو: (ليس الفن ان نقول الأشياء البسيطة بطريقة معقدة، إنما الفن ألا نقول الأشياء المعقدة بطريقة بسيطة). فإفراط بعض شعراء الحداثة العربية في استخدام الأسطورة، والصور المعقدة، قد فرّط بجمهور الشعر العريض، الذي هرب بدوره الى الرواية التي صارت ديوان العرب حسب ما يرى حنا مينة، على الرغم من أنها جنس غريب وافد إلى ساحة الوعي المعرفي العربي. إن عزوف الشارع عن الشاعر هو نتيجة حتمية لإيغال بعض الشعراء في الميثولوجية التي لا تتماس تماساً مباشراً مع حياة الناس اليومية وتجاربهم العاطفية والسياسية والثقافية. ثم إن المبالغة في استخدام أكثر من أسطورة ضمن قصيدة واحدة، قد أساء لشعرية النص وغرّب شعراء كبار، حصّلوا شبه إجماعٍ في الساحة الأدبية، عن متلقّي الشعر الجيد الجميل. أحمد مصطفى طقش