الثلاثاء 25 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 28 يناير 2003 لو كان عباس بن فرناس يعلم ان الطيران في اعماق البحار والمحيطات يمكن ان يكون اكثر سهولة من التحليق في الاجواء لما مات تلك الميتة التراجيدية. ولو كان يعلم لكانت عظامه ترقد الآن في قاع واحد من تلك البحار والمحيطات. ولكن هل يمكن حقاً ان يطير الانسان داخل مياه هذه المسطحات المائية؟ لقد اخترع الانسان الغواصة واستخدمها في الحرب لصيد سفن الاعداء، كما استخدمها في مجال الابحاث والدراسات البحرية. ولكن الغواصة لا تطير، انها تغوص كما يوحي اسمها، ونحن بصدد الطيران وليس الغوص. وكما يقول المثل الانجليزي «الحياة اما مغامرة او لا شيء» عشق الانسان المغامرة فتسلق الجبال وعاش في الادغال وفي القطبين الشمالي والجنوبي وابتدع عقله في المغامرات ما لا يمكن عده. ولكن المغامرة التي نحن بصددها اليوم مغامرة في غاية الاثارة، وسوف نطير اليوم مع اثنين من الطيارين المهرة على متن طائرة «الاعماق السحيقة». وقبل ان نبدأ رحلتنا نتوقف عند مخترع هذه الطائرة، انه جراهام هوكس، المهندس والمخترع والطيار الاميركي الذي كان ورا ء تصنيع اكثر من ثمانين في المئة من الغواصات والعربات البرمائية التي تستخدم في مجال الابحاث وعلوم البحار والذي سجل الرقم القياسي في الغوص حين وصل بمفرده الى عمق ثلاثة آلاف قدم خلال الاختبارات الاولية للغواصة «ديب روفر» ويعتبر هوكس احد ابرز العاملين في هذا المجال وحصد العديد من الجوائز والالقاب العلمية الرفيعة. ان الرحلة التي سنقوم بها لا تكلف الا خمسة عشر الف دولار للشخص الواحد وتستغرق يومين فقط يقضيها المسافرون باحد فنادق مدينة نيو بروفيدنس بجزر البهاما. يتعلم المسافرون في اليوم الاول المباديء الاساسية لاجهزة الاسناد والانقاذ والاتصالات والسلامة والتعامل مع الحالات الطارئة ويتعرفون على الطائرة وآلية عملها ويتلقون تدريبات مكثفة في الغوص، اما في اليوم الثاني فانهم سيعيشون تجربة مثيرة في اعماق المحيط الاطلسي. والطائرة التي سنكون على متنها هي طائرة تعمل بنظام الهايدروباتيك وتم بناؤها للطيران داخل المياه، انها تبدو مثل الطائرات العادية وتطير مثلها وتشبه شكل الطائرة الحربية إيه 15 ويتكون طاقمها من شخصين ويمكن ان تقفز وتهبط مثل الدلافين، وتتجاوز سرعتها السرعة القصوى للغواصات التقليدية عشر مرات، هذا بالاضافة الى قدراتها الهائلة في المناورة والانحراف. ولكن ما الذي سنشاهده في تلك الاعماق وما الفائدة من وراء انفاق هذه الاموال؟ انها ليست مغامرة مثيرة فحسب، بل هي رحلة نتعرف خلالها على عالم اعماق البحار، وهو عالم مليء بالغموض والاسرار. عالم اكثر اتساعاً من الفضاء الخارجي، الا انه وبخلاف الفضاء الذي يحيط بنا عالم يضج بالحياة وتسكنه اجناس مختلفة من الاسماك ويحتشد بالمشاهد الجيولوجية الفريدة والسفن الغارقة. ندخل الآن طائرة «الاعماق السحيقة» ونتهيأ للانطلاق. على سطح مياه الخليج وحتى عمق مئة قدم لن نشاهد سوى ما نشاهده على شاشات التلفزيون ونحن نتابع رحلة للغوص مجرد مياه زرقاء واسماك وشعب مرجانية. وتبدأ الظلمة الحالكة ونحن على عمق ثلاثمئة قدم ويتخذ الماء اللون الاسود ولا ضوء سوى ذلك الذي ينطلق من اجهزة الاضاءة بالطائرة ويختفي الضوء الطبيعي تماماً عندما نصل الى عمق خمسمئة قدم حيث لا نرى حولنا سوى الظلام واللون الاسود الداكن، ويتغير شكل القاع وتختفي الشعب المرجانية وليس تحتنا الا قاع المحيط، قليلون هم الذين وصلوا الا هذا العمق، كما ان خمسين في المئة من الحيوانات البحرية التي تشخص باعينها تجاهنا لا يعرف العلم عنها شيئاً. وسنرى العجب العجاب عندما نهبط لعمق الف قدم، انها بيئة غريبة تماماً، ،وكلما تلفتنا يمنة او يسرة تقع اعيننا على حياة لم يشاهدها اي انسان من قبل. انها حياة تزدحم بمخلوقات واجسام لم تقع عليها عين انسان انه عالم من السحر والاثارة. الاضاءة جيدة، الرؤية واضحة وها نحن نتسكع في اعماق المحيط الاطلسي قبالة سواحل مدينة نيوبروفيدنس. وتنقضي ثلاث ساعات ونحن في تلك المفازة البحرية نعيش وسط مخلوقات واجناس منها ما هو في غاية الرقة والنعومة ومنها ما هو متوحش ومتجهم الوجه وكأنه لم يكن يرغب في استضافة طائرتنا. وتتخذ الطائرة مسارها نحو السطح وتهبط بمرسى الميناء بعد ان نكون قضينا ساعات من المتعة والاثارة. مأمون الباقر