الاحد 23 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 26 يناير 2003 كيف يمكن تمييز الذكاء البشري عن الذكاء الحاسوبي؟ مسألة عويصة أرقت الدكتور أودي مانبر كبير خبراء تكنولوجيا المعلومات في مؤسسة «ياهو» التي تعتبر من أهم المداخل إلى شبكة الإنترنت. لم يكن قلقه مجرد مسألة أكاديمية صرفة. فقد كانت البرامج الحاسوبية الماكرة المتنكرة على هيئة مراهقين مغرمين بالدردشة الالكترونية تتسلل إلى حجر الدردشة على الانترنت لتجمع المعلومات الشخصية او تضع وصلات مباشرة لمواقع تروج لمنتجات تجارية. وكانت الشركات المتخصصة في نشر الرسائل الالكترونية الدعائية والترويجية في البريد الالكتروني للمستخدمين تشكل ازعاجاً متنامياً بمدة استخدام برامج تقوم بسرعة خاطفة بالاكتتاب على مئات العناوين الالكترونية في بريد ياهو وثم استخدامها لارسال الطرود الالكترونية الدعائية التي تخنق صناديق بريد المستخدمين. ويقول الدكتور مانبر: كنا بأمس الحاجة لاستنباط طريقة بسيطة لتمييز المستخدم البشري عن البرنامج الحاسوبي. في مؤتمر تقني عقد ناقش الدكتور مانبر المشكلة مع مجموعة من باحثي العلوم الحاسوبية في جامعة كارنجي ميلون. وكانت النتيجة ولادة مشروع طويل الأمد بدأ الآن يؤتي ثماره. تعود جذور اللغز الفلسفي الذي ارهق تفكير الدكتور مانبر إلى ورقة بحث نشرها عالم الرياضيات الدكتور الان تورينغ قبل خمسين عاماً. تخيل تورينغ لعبة يتم فيها وصل محقق بشري الكترونيا بإنسان وجهاز كمبيوتر موجودين في الغرفة المجاورة. وتتلخص مهمة المحقق في طرح سلسلة من الاسئلة التي يراد منها تحديد من هو الإنسان من بين الطرفين الذين يتم استجوابهما. كان الإنسان يساعد المحقق في اجوبته، في حين فعل الكمبيوتر كل ما بوسعه لافشال المحقق. واشار الدكتور تورينغ انه بالامكان القول أن الكمبيوتر يفكر إذا لم يستطع المحقق البشري تمييز الانسان عن الكمبيوتر من خلال الردود التي يتلقاها على اسئلته. وتنبأ بأن الكمبيوترات ستكون قادرة على خداع وتضليل المحقق ب30 بالمئة على الاقل في فترة الاستجواب التي تدوم خمس دقائق. ومع ان «اختبار تورينغ»، كما بات يعرف الآن، اطلق شرارة ميدان شديدة الحساسية يعرف بالذكاء الاصطناعي، إلا ان تنبؤه جانب الصواب. فكمبيوترات اليوم قادرة على القيام بأعمال بارعة لم يكن يتصورها الدكتور تورينغ، ومع ذلك ففي العديد من المهام البسيطة، يمكن لطفل في الخامسة من عمره أن يتفوق على أقوى كمبيوترات العالم. ويقول الدكتور جيتندرا مالك، وهو بروفيسور متخصص في الإبصار الحاسوبي في جامعة كاليفورنيا: «ثمة مقدرات معينة مثل البصر جاءت كنتيجة لمليارات السنين من التطور ومن الصعب علينا فهمها، في حين ان مقدرات اخرى مثل العمليات الحسابية ـ كضرب رقمين ببعضهما ـ هي كفاءات اكتسبناها عن طريق التعلم المباشر ويمكن تلقينها بسهولة لبرنامج حاسوبي. وفي الحقيقة ان المقدرات التي تتطلب قدرا كبيرا مما يوصف عادة بالذكاء مثل التشخيص الطبي أو ممارسة لعبة الشطرنج هي أمور اسهل بكثير على الكمبيوتر من المقدرات التي قد تبدو ابسط كتلك التي تتطلب الابصار او السمع او اللغة او التحكم الحركي. الدكتور مانيويل بلوم، استاذ العلوم الحاسوبية في جامعة كارنجي ميلون، والذي شارك في مؤتمر ياهو ادرك ان اخفاقات الذكاء الصناعي ربما تقدم ذات الحل الذي تحتاجه ياهو. واقترح ابتكار «اختبار توينغ» من نوع جديد يكون بسيطاً بالنسبة للبشر لكنه معقد ومربك جداً بالنسبة لأكثر البرامج الحاسوبية تطوراً. وعندما حظيت الفكرة باستحسان الدكتور مانبر، عكف الدكتور بلوم مع فريق الباحثين على ابتكار جملة من الالغاز الادراكية مبنية على المسائل التي تشكل تحدياً كبيراً للذكاء الاصطناعي. وتتسم الالغاز او الاحاجي المصممة بخاصية تجعل الكمبيوتر قادراً على تبويب الاختبارات وتقييم نتائجها حتى وإن كان هو نفسه لا يستطيع اجتيازها بنجاح. وقرر الباحثون ان يطلقوا على أحجياتهم اسم «كابتشا» وهو اختصاراً بالحروف الأولى باللغة الانجليزية لعبارة «اختبار تورينغ المؤتمت لتمييز البشر من الكمبيوترات». وهذه الاختبارات منشورة على الانترنت للعموم على موقع www.captcha.net. أحد الالغاز يدعى «جيمبي» ويتألف من لائحة من سبع كلمات محرفة ومتداخله مختارة عشوائيا من قاموس للمفردات البسيطة. ويتطلب حل اللغز التعرف على ثلاثة من الكلمات السبع وطباعتها داخل النافدة الخالية المعروضة. وأوجد فريق كارنجي ايضا نسخة مبسطة من اختبار «جيمبي» ـ عبارة عن كلمة واحدة محرفة معروضة على خلفية من الاشكال والرموز المعقدة. وأصبح هذا الاختبار الآن جزءاً من خطوات التسجيل في موقع ياهو. اختبار آخر يدعى «ساوندز» (أصوات) يتألف من مقطع صوتي حاسوبي مشوه يحتوي على كلمة أو متتالية اعداد. ولحل هذه الاحجية، يتعين على المستخدم الاستماع إلى المقطع الصوتي القصير وطباعه الكلمة أو الارقام التي يسمعها في الصندوق المعروض أمامه على الشاشة. ولم تكن فكرة استخدام الأحاجي والألغاز لمنع الاشتراكات المؤتمتة في مواقع الانترنت فكرة جديدة. فلقد كانت مواقع أخرى، مثل محرك البحث «آلتافيستا» وخدمة إي باي «باي بال» تعاني من مشاكل شبيهة بتلك التي أثارت استياء مؤسسة ياهو، وطورت بشكل مستقل الغازاً تشبه اختبارات «كابتشا». ومع ذلك فإن الباحثين ينسبون الفضل في الاسلوب المبتكر إلى الدكتور بلوم الذي استطاع برؤيته الثاقبة المتبصرة ان يضع المشكلة في سياقها العلمي التقني الصحيح تمهيداً لحلها. ويقول الدكتور اندريه برودر الذي ساعد في تطوير احجية «آلتافيستا» ويعمل الآن في شركة «آي بي إم»: «لقد قام بلوم بعمل عظيم باقراره بأن المسألة أكبر بكثير من مجرد حل مشكلة الازعاجات التي تواجهها مواقع مثل ياهو والتافيستا». وبوصفه خبيراً في علم التشفير، كان بلوم مطلعاً على الجهود المتواصلة التي يبذلها خبراء التشفير للتقدم في مجالهم من خلال فك الشيفرات بغرض اكتشاف نقاط ضعفها. ولذلك فقد اراد تطبيق ديناميكية مشابهة مع اختبارات «كابتشا» وحث الباحثين على محاولات ابتكار اختبارات أفضل من خلال بناء برامج حاسوبية تهزم الألغاز الحالية. ويعلق بلوم على ذلك بقوله: إن اختبارات كابتشا مفيدة لشركات مثل ياهو، لكن إذا هزمت أمام برنامج حاسوبي معين، فذلك سيعود بفائدة أكبر على الباحثين الذين سيقومون بدورهم بابتكار ألغاز أقوى لتمييز الإنسان عن الكمبيوتر في التعاملات على الانترنت. علي محمد