السبت 22 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 25 يناير 2003 يعتبر الفلامنكو فناً اسبانياً خالصاً، ولكي نكون أكثر دقة، فانه فن اسباني جنوبي أصيل. وهو يتألف من ثلاثة أشكال فنية تؤدى معاً وهي الغناء والرقص والعزف على الجيتار. يرتبط الفلامنكو عادة بالغجر الذين يعتبرون المؤسسين الحقيقيين لهذا الفن، وان كان ذلك الأمر يعتبر موضع خلاف بين الباحثين. ولكن الشيء المؤكد هو أن الغجر لعبوا دوراً مهماً في نشوء هذا الفن. وكان للأغاني والرقصات الشعبية الأندلسية تأثيرها الكبير على فن الفلامنكو. وبالتأكيد، كانت هناك تأثيرات أخرى ليست بغريبة على بلد وقع تحت تأثير ثقافات وحضارات مختلفة خلال الحقبات التاريخية المختلفة. فلا يمكن إغفال تأثير مملكة ترتيسوس الأسطورية ولا الحكم الإسلامي الذي إمتد لسبعة قرون على مختلف مناحي الحياة في اسبانيا ومن بينها فن الفلامنكو. وأول مرة ظهر فن الفلامنكو فيها في الأدب كانت في كتاب «رسائل مغربية» لكوالسو في عام 1774. ويعتقد بأن مهدها كان في المكان الذي شهد ظهور مدارسها الأولى في اشبيلية في الفترة ما بين 1765 و1860. وفي هذه الحقبة، بدأت رقصة الفلامنكو تحتل مكانتها في صالات الرقص. ويبدو أن رقصات الفلامنكو الأولى كانت تعتمد على الغناء بشكل أساسي مصحوباً فقط بتصفيق إيقاعي بالأيدي. وكان الفضل في إدخال العزف بالجيتار إليها يعود إلى الملحنين من أمثال جوليان آركاس. يمتاز فن الفلامنكو بسحر خاص يأسر كل من يشاهده. وقد وصفه الشاعر والكاتب المسرحي الألماني جوته بأنه «قوة خفية يشعر بها الكل ولكنها قوة لم يفسرها أي فيلسوف». وخلال عصرها الذهبي (1869 ـ 1910) تطورت رقصة الفلامنكو في المقاهي الموسيقية العديدة التي تميزت بها تلك الحقبة لتتحول إلى شكلها المميز. ويعود تاريخ ظهور الأشكال الجدية التي تعبر عن المشاعر العميقة إلى تلك الفترة أيضاً. وبلغت رقصة الفلامنكو ذروتها بأعتبارها عنصر الجذب الرئيسي للجمهور في تلك المقاهي الموسيقية. وأخذت تنتشر شهرة عازفي الجيتار الذين يقدمون الراقصين للجمهور في كل أنحاء اسبانيا. وفي الفترة من عام 1910 وحتى عام 1955، تميز غناء الفلامنكو بالبشكل الأوبرالي مع نوع موسيقي أسهل مثل «فندانجوس» و«كانتيس دي إيرا إي فويلتا». وأظهرت الأخيرة تأثراً بألوان موسيقية في أميركا الجنوبية. ومنذ عام 1915 فصاعداً، كان يتم تنظيم وأداء عروض الفلامنكو في جميع أنحاء العالم. ولكن هذا التطور لم يعجب الجميع، وقام المثقفون من أمثال «فالا» في عام 1922 بتنظيم مسابقة في غرناطة لترويج النسخة الأصلية من الفلامنكو. وشهد عام 1955 إنطلاقة مايمكن أن يوصف «بنهضة الفلامنكو»، وكان العازف الكبير أنطونيو مايرينا الشخصية الرئيسية في تلك النهضة. واستطاع الراقصون والعازفون أن يشقوا طريقهم من صالات الرقص البسيطة إلى المسارح الكبيرة. وفي هذه الفترة، أخذ عازفو الجيتاز يلعبون دور البطولة في عروض الفلامنكو، ووصلوا بأدائهم إلى القمة. تظهر الفلامنكو الواقعية تأثراً بأنواع اخرى من الموسيقى مثل الجاز والسالسا والبوزانوفا، ولم يقف التغير عند الموسيقى، فقد تغيرت الرقصات ايضا، فالراقصات يحاولن ان يظهرن تمردهن على القيود اكثر مما يظهرن براعتهن الفنية. وليس هذا بغريب على الفلامنكو، فهي تمثل كل ما هو وحشي ومتمرد وانفعالي في اسبانيا. وتحظى الفلامنكو اليوم بشهرة واسعة في العالم بفضل وسائل الاعلام، ولكنها كانت على الدوام وستظل نوعاً حميمياً من الرقص الذي ترافقه الموسيقى. ولاتزال أصالة الفلامنكو ماثلة في العروض التي تؤدى في جنوب اسبانيا في اجواء ساحرة تخلو من أي شيء سوى صوت الغناء وعزف الجيتار وجسد الراقصة الذي يتمايل في ضوء القمر. ضرار عمير