الثلاثاء 18 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 21 يناير 2003 كان الاطباء فيما سبق يركزون على المريض ذاته قبل المرض، وكان العلاج الفعال يعتمد على تكوين علاقة شخصية بين المريض والطبيب واستناداً لمدى صدق هذه العلاقة كان المريض يشعر بالراحة والاطمئنان قبل تناول اي دواء، اذ كان لابتسامة الطبيب وكلماته تأثير البلسم الشافي. وكانت العلاقة الشخصية بين الطبيب والمريض تقليداً يصبو إلى تحقيقه كل طبيب ولقد اعطى للطبيب ميزات عديدة لم تعط لغيره، وبالمقابل فرضت عليه مسئوليات لم تفرض على سواه. والطبيب يستخدم في ممارسته الطرق والقواعد العلمية اضافة إلى خبرته، وهنا يلتقي العلم بالفن، فالطبيب يستخلص التشخيص اعتماداً على القصة المرضية التي تتضمن اعراضاً وشكايات مبهمة وقد تكون متناقضة، ويلجأ إلى الفحوص الضرورية التي تساعد على التشخيص الدقيق، ويضع من ثم الخطة العلاجية المناسبة، التي لا تقتصر فقط على وصف الدواء، وانما على التغذية وتغيير نمط الحياة ايضاً. وهو بذلك لا يحتاج لما تقدمه امهات الكتب الطبية من معلومات، وانما يحتاج للمهارة والحكمة والمحاكمة السليمة التي تستند على التجربة الناضجة والفهم الصحيح للمريض كانسان، ولهذا كان الاطباء قديماً يرتكزون بشكل اساسي على تكوين علاقات شخصية مع المريض. المريض انسان من المعروف بأن مرضاً معيناً كالانفلونزا على سبيل المثال يتظاهر بأشكال متعددة تختلف وفقاً لنمط شخصية المريض وعمره، وحالته الاجتماعية والمادية ايضاً، ولهذا نجد ان المقولة القديمة لدينا مجموعة مرضى وليس امراضاً مازالت قائمة بتأثيراتها إلى الآن. ومن واجب الطبيب ان يبين للمريض طبيعة مرضه بدقة، ولكن للاسف نقول ان الكثير من المرضى يخرجون من عيادة هذا الطبيب او ذاك وبأيديهم مجموعة من الوصفات الطبية، وفي اذهانهم الكثير من التساؤلات التي تحتاج إلى اجابات شافية. اذ من المعروف للجميع ان المريض مهما كان مرضه ينشد الاطمئنان اكثر ما ينشد الشفاء لان المريض تنتابه الاضطرابات وتتزاحم في ذهنه الافكار والمخاوف حول المرض ومثل هذه المشاعر والاحاسيس لا يمكن ان يعي مقدارها الا من مر بتجربة من تجارب المرض، لان المرض يشكل تهديداً لوضع الشخص المريض، وكثيراً ما يفرض المرض في البالغ العودة لوضعية الاعتماد على الآخرين، وهي وضعية تترافق بمشاعر الخوف، وكثيراً ما يؤدي ذلك لرفض استشارة الطبيب كنوع من الرفض للاقرار بالاصابة بالمرض، او تقديم اي عون طبي. تغير العلاقة ان من يقارن الطب قديماً والطب حديثاً، والعلاقة التي كانت سائدة بين الطبيب والمريض يدرك تماماً ان هذه العلاقة قد تغيرت لاسباب عديدة، واذا ما وضعنا التبريرات كظروف الحياة وغيرها، فاننا نرفض تخلي الطبيب عن مهنته الانسانية النبيلة بحجة ان الحياة قاسية وان الوقت ضيق، وان بعض التقنيات قد قلصت الحاجة لتلك العلاقة الجميلة بين الطبيب والمريض. نود ان نشير هنا إلى ان المريض الذي يدفع ما يطلب منه دون اي نقاش، رغم ان فاتورته قد تضم تحاليل غير ضرورية او نسبة غير مبرر لها يدفعها مختبر التحاليل او الاشعة للطبيب، فإن المريض من حقه ان يشرح للطبيب ما يشعر به، وما يعاني من آلام وان يجد لديه الاجابات الشافية لتلك التساؤلات التي تعكر صفو حياته. وللاسف نكرر القول ان الكثير من الاطباء قد تخلوا عن «الرداء الابيض» وظيفتهم ومركزهم الاجتماعي المرموق، ونجح بعضهم في جمع الثروات ولو على حساب آلام ومعاناة المرضى، ومن يراقب ما يجري على الساحة الطبية في القطاع الخاص يكتشف بأم عينيه ان بعض الاطباء ينتزعون اللقمة من فم المريض وظروفه ومعاناته التي تدمع لها الاعين. فهل تفكر الجهات المعنية بصحة الانسان باحكام الرقابة الطبية على المؤسسات الطبية الخاصة التي بات محركها الاساسي وهدفها الامثل الربح ولو على حساب معاناة المرضى التي تمنعهم من التمتع بالراحة نهاراً والنوم ليلاً. د. بسام علي درويش