الثلاثاء 18 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 21 يناير 2003 يمتهن الانسان عدداً كبيراً من المهن المتنوعة في العديد من المجالات المختلفة. بعض هذه المهن يتطلب مهارات وخبرات متخصصة والبعض الآخر قد لا يتطلب الا الالمام بمباديء القراءة والكتابة. من هذه المهن ما قد يعرض حياة الانسان للخطر مثل الجندية والاطفاء، ومنها ما يجعل حياته بعيدة عن المخاطر مثل الوظائف الكتابية والادارية. والمهنة، اي العمل الذي يؤديه الانسان، هي ما تكفل له سبل العيش، فلكل عمل اجر مستحق. وهذا الاجر المالي هو ما يعين الانسان على العيش وبدونه قد يمتهن الانسان الاستجداء. ومن المهن التي تعرض حياة الانسان لمخاطر لا حد لها مهنة اصطياد العواصف والاعاصير والتوغل في جوفها لسبر اغوارها وكشف اسرارها. وبرغم المخاطر والصعوبات التي يواجهها محترفو اصطياد الاعاصير، الا انهم يقدمون خدمات جليلة للبشرية تتمثل في الكم الهائل من المعلومات التي يقومون بارسالها الى مراكز الرصد والمراقبة والتي تتضمن معلومات عن سرعة الاعاصير واتجاهاتها وطبيعة تكويناتها. وهي معلومات تقوم المراكز بتحليلها للتعرف على مكامن الخطر ومن ثم تحذير التجمعات البشرية التي قد تهب عليها تلك العواصف والاعاصير. وتعود البدايات الاولى لهذه المهنة للعام 1943 حيث اجتمعت مجموعة من الطيارين الاميركيين بولاية تكساس الاميركية. تركز الحديث لخطتها حول امكانية انقاذ الطائرة إيه تي ـ 6 ذات المحرك الواحد من اعصار عات. ولما كان بعض اولئك الطيارين قد راكموا خبرات قتالية باستخدام طائرات اكبر حجماً فقد استبعدوا امكانية انقاذ مثل هذه الطائرة الصغيرة. وهنا انبرى الكولونيل جو دوكويرث مدافعاً عن الطائرة الصغيرة واكد انها تستطيع الطيران في كل الظروف المناخية. وتحداه الآخرون. عندها نادى الكولونيل على الملاح رالف اوهير وادار محرك الطائرة ودخل بها التاريخ عندما اخترق عاصفة عاتية على ارتفاع ستة الآف قدم. وعند هبوط الطائرة الصغيرة قال رالف: لقد كانت لحظات مرعبة، كانت المياه «الامطار» عنيفة، وكانت الطائرة مثل الريشة، وكلما توغلنا في قلب العاصفة كان المكان يزداد ظلاماً وهكذا اسس الرجلان لمهنة اصطياد الاعاصير. نحن الآن في قاعدة كيسلر الجوية شبه المهجورة في ولاية ميسيبي الاميركية. الجو صحو والشمس ساطعة. عدد من طائرات هيركويز 31 تجثم على ارضية المطار الاسمنتية. يحدد الملاح موقع الاعصار الذي سيتجه نحو ولاية فلوريدا يتجه الملاح ومساعده وثلاثة طيارين نحو احدى الطائرات التي لا تتوفر فيها اي وسائل راحة او رفاهية، انها عبارة عن ورشة ضخمة. الاسلاك التماسية من مختلف الاحجام تمتد عبر جوف الطائرة الذي يتوسطه خزان وقود ضخم، سيقودك مساعد الطيار الى مقعدك غير الوثير في مؤخرة الطائرة. تقلع الطائرة في صخب هادر، تتخذ المسار الذي حدده الطيار. تمضي ساعة ويأتي صوت الملاح ليقول: انني اشاهد بؤرة الاعصار على شاشة الرادار، هناك عواصف رعدية عنيفة تحيط بالبؤرة. وتبدو البؤرة صغيرة الحجم على الشاشة، إلا ان الملاح يطمئنك بأن عرضها يتجاوز خمسة عشر ميلاً، وان قلبها يمتد بعمق عشرين ميلاً. ويأتي صوت الملاح ثانية ليقول: اننا على مسافة خمسة اميال من قلب الاعصار. وتصفع الامطار العنيفة جسم الطائرة، وتنزلق المياه على النوافذ مثل الغلالات الشفافة، وتحتل الظلمة المكان وتهتز الطائرة بعنف، ومع ذلك يشاكسك الملاح بقوله: هذا ليس كل شيء، تشبث بالمقعد وانتظر المفاجأة. وينطلق صوت الطيار في ارتعاش ليقول نحن على وشك ان نخترق قلب الاعصار، اربطوا الاحزمة، وقبل ان يكمل الطيار حديثه يرتج جسدك وتشعر بالغثيان والدوار فجأة تهوي الطائرة نحو الف قدم وتحس بفقدان الوزن وبضجة هائلة تنطلق من أنين محركات الطائرة وضربات الامطار العنيفة وتتحول الطائرة العملاقة الى طائرة تتقاذفها الرياح في كل اتجاه وتلمح وهجاً يشع عبر تلك الظلمة الحالكة. وبعدما يبدو وكأنه العمر بأكمله «ثلاث دقائق فقط» تفسح الظلمة المكان للضياء، وتلمع النوافذ ويغمر الضوء الساطع السحاب الذي يتلألأ على مد البصر. وفجأة تكف الامطار عن توجيه ضرباتها العاتية نحو جسم الطائرة، مطب فضائي، ثم آخر وتستقيم الطائرة في مسارها لقد كانت ثلاث دقائق مثيرة وخطيرة، ولكنك نجوت. كانت تلك احدى الطلعات الجوية لفريق صيد العواصف والاعاصير، وبرغم الرعب والهلع والمخاطر إلا انها كانت رحلة علمية رصد فيها الفريق سرعة واتجاه وحجم ذلك الاعصار وطبيعة تكوينه، وكل هذا من مصلحة البشرية. مأمون الباقر