الاثنين 17 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 20 يناير 2003 استمال الصحفي والكاتب البولندي رديارد كابسونسكي جمهور ملتقى الآداب الذي انعقد في برشلونة باسبانيا مؤخرا، وادخل القشعريرة في قلوب الحضور بالتحليلات التي قدمها حول حروب القرن العشرين حيث تحدث عن الحروب الاقليمية والاطفال الجنود والالغام المضادة للافراد والابتكار الرهيب لحروب بلا ضحايا خاصة ووظيفة المراسل الحربي، ولم يخف الكاتب البولندي شعوره الكبير بالرضا عن الاتفاق المقر حديثا في كوبنهاغن والذي يسمح لبلاده بالدخول إلى الاتحاد الاوروبي. ولقد كان ضروريا تخصيص قاعتين كي يتسع المكان لجميع الاشخاص المهتمين بمتابعة محاضرة رديارد كابسونسكيالتي خصص لها ساعة واحدة فقط، لكنها دامت 90 دقيقة ولو ان الامر كان عائدا للجمهور، لدامت اكثر من ذلك الوقت بكثير. استهل كابسونسكي، المجاز في التاريخ من الجامعة البولندية حياته العملية بالعمل كمراسل حربي عام 1959، وهو متعاون مع صحف مثل «نيويورك تايمز» و«تايمز» و«فرانكفورتر الجماينة زايتونج» وينشر في صحيفة «البايس» الاسبانية، وله من من الكتب عشرون، اشهرها «الشاه» و«الامبراطور» و«العاج» و«الامبراطورية» وهو يتحدث ست لغات، هي الهولندية والروسية والانجليزية والاسبانية والبرتغالية والفرنسية. كانت روايته حول حروب النصف الثاني من القرن العشرين معتدلة وتقوم على التجربة، وربما بسبب ذلك جاءت رهيبة إلى هذا الحد الذي جعل الجمهور يرتعد من هول ما سمع حين قال كابسونسكي: حتى الحرب العالمية الثانية، كانت الضحايا من الجنود، الآن لا، الآن من يسقط اولا هم النساء والاطفال، وما يدعو إلى الغرابة ان القوات المسلحة تحول دون حدوث مواجهات فيما بينها، فالحروب اليوم موجهة ضد الابرياء. في الوقت الراهن، ثمنة 30 صراعا في بلدان «العالم الثالث»، و«جميع هذه الحروب مرتبطة بتجارة المخدرات وتهريب الاسلحة ومناجم الماس والنفط، اما اسياد الحرب، فاغنياء جدا، كما في كولومبيا حيث يتغذون منذ 40 عاما على المخدرات. سمة اخرى لهذه الحروب تتمثل في مشاركة الاطفال الذين تتراوح اعمارهم بين 14 و15 عاما وكذلك عشر سنوات، «انها حروب اطفال وبين اطفال، غالبيتهم ايتام يتسكعون بدون شيء يأكلونه، اسياد الحرب يمولونهم، والاطفال الجنود هؤلاء يستهويهم ذلك لانهم «لا يملكون غريزة البقاء على قيد الحياة ويذهبون إلى النار مباشرة»، و«الاسلحة الحديثة سهلة التشغيل للغاية وهي قصيرة ووزنها خفيف، إذ تبدو انها صنعت للاطفال خصيصا لكنها ليست العابا، انها مميتة». سلاح آخر مستخدم على نطاق واسع جدا، هو الالغام المضادة للافراد، و«هي خفيفة وزهيدة الثمن وسهلة التركيب، فلقد تم الاعلان عن 150 مليون لغم مضاد للافراد في افريقيا وفي آسيا وفي بعض البلدان الأميركية اللاتينية، انها مشكلة مستقبلية حيث من السهل الاعلان عن وجودها، لكن ابطال مفعولها مكلف جدا والبلدان المتضررة فقيرة زيادة عن اللازم كي تنظف اراضيها، كما تفاقم هذه الالغام المجاعة، ذلك انها تقتل المواشي ايضا. واوضح كابسونسكي انه في سنوات الثمانينيات ابتكرت الولايات المتحدة نوعاً آخر من الصراع «يسمى حرب بلا ضحايا خاصة، فموت الجنود الخاصين لا يقدم اصواتا انتخابية، ولقد صممت لهذه الحروب استراتيجية جديدة بحيث تحدد الارض وتنظف بقصف شديد للغاية، وهكذا يتم القضاء على كل اصناف الحياة، من الاشخاص إلى الحيوانات أو النبات، وحينها تستطيع القوات الدخول بدون ان تجد اية معارضة، ولقد استخدم هذا النوع من الحروب خلال حرب الخليج وكوسوفو وافغانستان ايضا، ومن الممكن تكراره في العراق مع تمنياتنا بألا يحدث ذلك، انه اسلوب مكلف جدا ولا يمكن ان تلجأ اليه سوى البلدان الغنية جدا. بنموذج الحرب هذا انتهت مهنة المراسل الحربي، اذ لا يسمح لنا بالدخول إلى الاراضي النظيفة، وعلى الصحفيين البقاء في فندق بانتظار بلاغات ليس بوسعهم مخالفتها. لذلك لم يذهبكابسونسكي إلى حرب الخليج، بالنسبة لنا نحن المراسلين الحربيين، ثمة اوقات قاسية جداً آتية على الطريق، حيث سيكون من الصعب لعب الدور الذي كنا نقوم به خلال سنوات كثيرة، لكن ليس كل شيء ضائعاً: بوسعنا ان نخلق بعملنا جوا ملائما، حالة من الرأي المناهض للحرب، لجميع الحروب، وهذا الرأي له قيمته، ففي رحلاتي الاخيرة عبر أميركا الشمالية والجنوبية وعبر الشرق الاوسط واوروبا، ايقنت ان سياسة الحرب لا تحظى بدعم في المجتمعات المختلفة. ان توسيع الاتحاد الاوروبي، الذي اقرته قمة «كوبنهاغن» خبر رائع بالنسبة لكابسونسكي، ذلك ان هذه العملية ستسمح بدخول بولندا إلى الاتحاد: اننا سعداء جدا، فلقد كان حلما وسيقدم لنا امكانية تسريع تطورنا. قرار «كوبنهاغن» تاريخي ليس بالنسبة لبولندا فحسب، وانما بالنسبة لاوروبا نفسها، ذلك انه في عالم القرن الواحد والعشرين لن يبقى على قيد الحياة سوى التكتلات الكبيرة حيث لايوجد متسع لسياسة استكفائية، واوروبا، التي يعيش فيها 500 مليون نسمة، ستكون في ظروف افضل لامتلاك وزن اكبر. باسل أبوحمدة