السبت 15 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 18 يناير 2003 في عام 1851، كان قد مضى على ظهور فن التصوير عقد واحد فقط، وكان المصورون الدغريون (المصورون الذين يستخدمون التصوير الفوتوغرافي على ألواح من الفضة) ما زال بمقدورهم ان يتوقعوا أثناء قراءتهم لمجلة «فن التصوير» ان يجدوا نوعا من الابتكار كل شهر. ولكن عدد يناير من عام 1851 حمل مفاجأة صاعقة لأولئك القراء، فقد جاء فيها: «علمنا بكل سرور ان السيد ليفي هيل قد نجح في طبع الصورة على لوح التصوير الدغري بكل ألوانها الطبيعية الجميلة». كانت الألوان الطبيعية في الصور الفوتوغرافية أملاً وهدفاً يسعى اليه المصورون منذ ابتكار طريقة التصوير الدغرية في عام 1839. وفي غيابها، كان الزبائن يطلبون ان يتم تلوين الصور يدوياً، وهي ممارسة جعلت المصورين يمارسون التملق. ونجح بعض المبتكرين في اضافة بقع غير طبيعية من الألوان الى الصور ـ لون احمر هنا، وأزرق هناك ـ ولكنها لم تكن تقترب كثيراً من اللون الاصلي للصور. ولم يكن بالامكان الحصول على الالوان الطبيعية الى ان بدأ هيل بانتاج ما سمي بـ «هيلوتايب». كانت البداية في هذا العمل بالنسبة لليفي هيل بداية غير عادية. فقد ولد في نيويورك عام 1816 ونذر نفسه لتقديم العظات الدينية في الكنائس بعد ان سقط في الثلج على نهر هدسون وخرج منه بأعجوبة من فتحة اخرى. ولكن السنوات الطويلة من العمل في هذا المجال قد تركت اثرها على صحته، حيث اصيب بالتهاب مزمن في الشعب الهوائية ولم يكن يتعافى منه الا بعدما يستنشق ملء رئتيه من ابخرة البرومين في مختبر للتصوير الدغري. كان هيل منشغلاً في كتابة واحد من اوائل الكتب حول التصوير الدغري، ويعمل بالسر على التصوير بالألوان منذ عامين عندما قام صديق طائش بتسريب معلومات عن نجاحه الى محرر مجلة «فن التصوير الفوتوغرافي». وظل هيل رجلاً عصبياً وبائساً وغير جاهز للشهرة، ولكنه مع ذلك أكد الاشاعة للمجلة قائلاً: «سيخلف الاكتشاف الجديد التصوير الدغري بشكل كامل.. ومن بين النماذج الخمسة والأربعين التي لدي، توجد التالية: منظر يحتوي على بيت احمر وعشب اخضر وأوراق الشجر، واللون الخشبي للأشجار، وظلال عديدة مختلفة للونين الاحمر والرمادي، وملابس ملونة، وسماء زرقاء واللون الازرق الباهت للجو». تدفقت ثمانية آلاف رسالة على كوخ هيل في الجبال بمنطقة ويستكيل بولاية نيويورك، تعرض عليه عشرات الألوف من الدولارات اذا كشف عن سر الهيليوكرومي» (التصوير الفوتوغرافي بالألوان الطبيعية) كما اسماه. ولكن هيل، الذي كان لديه طفل وزوجة مريضة بالسل يعيلهما، اصر على انه لن يقدم اي جزء من اختراعه ما لم يحصل على ضمانات بتعويض مناسب. وقد استطاعت قلة محظوظة فقط ان تشاهد الصور الفوتوغرافية بالالوان الطبيعية، والمعروفة الآن باسم «هيلوتايبس». وقد تأثر محرر مجلة «داغوريان» بما شاهده كثيراً لدرجة انه عيّن هيل مساعداً له، وزف البشرى للقراء قائلاً: «تتجاوز الهيلوتايب بروعتها اي اكتشاف يتعلق بفننا... ولو قدر لرفائيل ان ينظر الى هيلوتايب قبل ان يكمل لوحته «التجلي» لسقطت لوحة الألوان والفرشاة من يده ولظلت الصورة دون اتمام». في الحقيقة، لم يكن الجميع سعداء بهذا الابتكار، فالمصورون الدغريون باتوا يواجهون خطر الاندثار بين عشية وضحاها. وهذا امر طبيعي، فما الذي يدفع اصحاب المجلات لدفع المال الى الصور الدغرية، في الوقت الذي باتت صور هيلوتايب على وشك ان تكون في المتناول؟ ومن جانبها، حاولت مجلة «فن التصوير الفوتوغرافي» مداهنة هيل كي يكشف عن سره. وعندما فشلت في جهودها تلك، شنت حملة من التلميحات المغرضة التي تقول ان هيلوتايب لم يكن سوى «مخادع» أو «خطة لبيع عدد كبير من كتب هيل». هب المبتكرون والمصورون للدفاع عن هيل. وضمت قائمة المساندين له مخترع التليغراف صامويل مورس. وقال مؤنباً مجلة «فن التصوير الفوتوغرافي»: «لا شك لدي من أي نوع بحقيقة اكتشافه. وهناك اسباب مقنعة في الوقت الحاضر تمنعه من عرض اختراعه ونتائجه على الجمهور». كان هيل يحاول ان يجعل التصوير بالألوان ابسط واكثر اعتمادية قبل ان يقوم بتسويقه. ولكن مع قرب انتها عام 1851 بدون صدور اي شيء من قبل هيل، زادت الاصوات المطالبة بأن يقوم هيل بكشف اختراعه لمصلحة الجميع. ولكن هيل صمد امام الاغراءات والتهديدات ولم يفصح عن سر اختراعه حتى ما بعد مماته. ولم يكشف النقاب عن تلك الاعمال الا في عام 1972، عندما قام المؤرخ وليام بيكر بإعادة اصدار نسخة باقية من بحث كان هيل قد اعده ونشره في عام 1851، ولكن خصومه ومعارضيه قاموا بسحب النسخ جميعها واتلافها. وقد اعاد هذا العمل الاهتمام الى قضية هيل. وفي هذه الاثناء، تم اكتشاف 62 لوح تصوير فوتوغرافي باهتة في معهد سميثسونيان في واشنطن دي سي، حيث ظلت هناك منذ ان تبرع بها زوج ابنة هيل في عام 1933. ولإثبات ادعاء هيل، قام مايك كراوفورد من لايت هاوس داركرووم في لندن بدراستها عن كثب. وكان انطباعه انها تحتوي على ألوان أصلية وليست ألوانا مضافة أو مطلية. ولكن الاثبات الحقيقي يكمن في وصفة هيل المؤلفة من تشكيلة واسعة تضم العسل وزيت القرفة وحامض الكبريتيك والسيانيد بالاضافة الى خطوة اساسية، وهي تشكيل بلورات خضراء ابرية الشكل مؤلفة في جانب منها من الأحماض الهيدروكلوريكية والأحماض الهيدروفلوريكية. وبالفعل، قام جوزيف بودرو، رئيس قسم التصوير الفوتوغرافي في كلية بايير للفنون في كونيكتكت، بتطبيق وصفة هيل اسناداً للبحث الذي اعيدت طباعته. وفي عام 1986، اعلن بودرو النتائج التي توصل اليها والتي تتلخص في نجاح اسلوب هيل، مما يؤكد ان هيل كان اول من استطاع انجاز التصوير الفوتوغرفي بالألوان رغم ان الفضل التقليدي في هذا الابتكار لا يزال ينسب الى دوكوس دهورون. ضرار عمير