الجمعة 14 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 17 يناير 2003 ان افتتاح حديقة ريح جديدة في المانيا لم يعد امراً خارجاً عن العادة لكن عندما يتجمع ممثلون بارزون من القطاع الصناعي بأكمله للاحتفال بالحدث، كما حدث في احد المروج بالقرب من قرية بيمولتن في لاور ساكسوني شهر اغسطس الماضي، عندها لابد من وجود شيئ خاص في الهواء، أو بالاحرى على ارتفاع 98 متراً في الهواء، على هذا الارتفاع بدأت شفرات 14 عنفة هوائية بالدوران متخطية عتبة مهمة في تاريخ طاقة الرياح، فمع البدء في تشغيل حديقة ريح جديدة في لاور ساكسوني في اواخر صيف 2002، تخطت الطاقة الانتاجية القصوى في مجمل محطات طاقة الريح، في المانيا حاجز العشرة آلاف ميغاواط، وزير البيئة الفدرالي يورغن تريتين الذي شغل المحطة الجديدة بايماءة رمزية بالضغط على زر واحد قال: «نحن الآن ابطال العالم في استغلال طاقة الريح» يوجد حالياً اكثر من 12800 طاحونة هواء في حالة عمل بين بحر الشمال وجبال الالب، ويجري اضافة طواحين جديدة بشكل متواصل تفخر المانيا بأنها تولد اكثر من ثلث طاقة الرياح في العالم وتليها في الترتيب الثاني والثالث الولايات المتحدة 25% واسبانيا 15% في غضون ذلك، فإن طاقة الرياح، لاسيما في المناطق الساحلية العاصفة، تقدم حصة ملموسة من امدادات الكهرباء في المانيا، وفي منطقة لاند شيليفيغ هولشتاين الواقعة في اقصى الشمال بين بحر الشمال والبلطيق، تسد طاقة الرياح حوالي ربع صافي الاستهلاك الكهربائي، وعلى مستوى البلد يبلغ هذا الرقم 35%، واذا صدقت تنبؤات الجمعية الالمانية لطاقة الرياح، فإن الطاقة الانتاجية القصوى لاجمالي محطات طواحين الهواء في البلد ستتجاوز 22500 ميغاواط بحلول عام 2010. ويقول بيتر اميلز رئيس الجمعية: اذا استطعنا ايضا الاقتصاد قليلاً في استهلاك الكهرباء فإن طاقة الريح قد تغطي نحو 10% من احتياجاتنا الكهربائية بحلول نهاية العقد. انطلقت شرارة فورة طاقة الرياح في المانيا من حملة ترويج سياسية موجهة استهلت منذ مطلع العقد المنصرم، ففي عام 1991، اقر قانون اعتمادات الطاقة الذي يمنح مالكي طواحين الهواء ضمانات بأن شركات الكهرباء ملزمة بشراء الكهرباء المولدة من طاقة الريح منهم بأسعار ثابتة ومرتفعة نسبياً، وهذا جعل الاستثمار في طاقة الريح مشروعاً مغرياً، ومنذ ابريل عام 2001 بدأت الحكومة الفيدرالية بتطبيق قانون موارد الطاقة المتجددة الذي يشجع كافة اشكال الطاقة الكهربائية المولدة من مصادر قابلة للتجدد ومنذ ذلك الحين بقي سعر الكيلوواط الساعي في طاقة الريح في حدود تسعة سنتات من العملة الاوروبية الموحدة اليورو. في المواقع العاصفة على نحو خاص بالرياح ينخفض السعر قليلاً الى ستة سنتات بعد مضي خمسة اعوام على تشغيل محطة طاقة رياح، وفي ظل هذه الظروف، يمكنك في المانيا ان تكسب المال في توليد الكهرباء من طاقة الرياح، ويقدر معدل عائدات مشغلي طواحين الهواء السنوية بـ 10% من رؤوس اموالهم المستثمرة مما يجعل الاستثمار في حديقة الريح مشروعاً مغريا من الناحية المالية ناهيك عن فوائده البيئية. وفي اعقاب الانتخابات الاخيرة، تواصل الحكومة الفيدرالية التي يتخللها الطيف الاخضر جهودها لدفع طاقة الرياح التي تعلق عليها امال في مساعدة المانيا في الوفاء بالالتزامات التي تعهدت بها بخصوص حماية المناخ بموجب بروتوكول كيوتو والتي تنص على خفض مستوى ابتعاثات ثاني اكسيد الكربون المسجل في عام 1995 بنسبة 21% بحلول عام 2012 وفي العام الحالي سيعقد مؤتمر دولي حول مصادر الطاقة المتجددة في مدينة بون بناء على دعوة من المستشار الالماني غيرهارد شرويدر. وفضلا عن ذلك فإن الحكومة الفيدرالية تعمل حاليا على انشاء وكالة دولية لمصادر الطاقة المتجددة. بالمقارنة مع انتاج الكهرباء باستخدام الوقود الاحفوري كالفحم الحجري والنفط فإن محطات طاقة الرياح تختصر حوالي 600 غرام من ثاني اكسيد الكربون لكل كيلوواط ساعة من الكهرباء يتم انتاجه.. ومجموع ذلك اكثر من 12 مليون طن من ثاني اكسيد الكربون سنوياً، وهذا يعادل 5% من التخفيضات التي تعهدت المانيا بتحقيقها. بسبب محدودية المواقع الملائمة لتركيب حدائق طواحين هواء في المناطق العاصفة تتجه الانظار الى مستقبل هذه الصناعة في البحر نظراً لامكانية بناء محطات طاقة الرياح قبالة الشواطيء، وهناك مزايا عديدة لهذه النقلة فالريح تهب بشكل اقوى واكثر استمرارية فوق الماء، هذا يحسن مردود طاقتها، كما ان تركيب طواحين الهواء في العمق بعيداً عن الشواطيء يخفيها عن انظار السكان المحلليين الذين بدأ العديد منهم يتذمرون من ان حدئق الريح تشوه مشهد الافق الطبيعي من بلدانهم، لكن في المقابل فإن التحول الى البحر ليس بالامر اليسير، فهناك صعوبات تقنية جمة مقترنة بتركيب وتثبيت وصيانة طواحين الهواء في عرض البحر وفي اعماق تصل الى 30 متراً مما يجعل تكاليف استثمار طاقة الرياح باهظة جداً، إلا ان المخططين يرون انه يمكن تجاوز هذه المعيقات بانشاء محطات طاقة رياح بحرية ضخمة تضم مئات طواحين الهواء المتطورة بحيث تنتج الواحدة منها 4 الى 5 ميغاواط على الاقل لتكون مجدية اقتصاديا، لكن بما ان محطة الطاقة البرية تكلف الآن حوالي مليون يورو لكل ميغاواط، فإن الاستثمار في حديقة ريح بهذه الضخامة في البحر سيكلف المليارات ومع ذلك فإن هناك اجواء متفائلة في الاوساط الرسمية التي تستنير بخطط استراتيجية طموحة لجعل المانيا مثالاً يحتذى به في العالم بأسره في جهود حماية بيئية لكوكبنا بخفض انبعاثات الوقود الاحفوري السامة وتوسيع افاق استثمار مصادر الطاقة المتجددة النظيفة. علي محمد