الخميس 13 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 16 يناير 2003 هذا الرجل يقف على قمة، ما يمكن تسميته بـ «تراث الحداثه» العربية الذي جرى تغييبه بعمد يصل إلى حد المؤامرات، خلال العقود الأخيرة! ولن يكن من باب المفارقة - إذن - أن يصبح من كان له قصب السبق في إنتاج نظرية عالمية في علم اللغة، والحاسم لقضية «الفصحى والعامية» في الثقافة العربية الحديثة، مجرد إسم مجهول لطريق صغير، حتى لو كان يقع بحي «الزمالك» الراقي بغرب القاهرة. بل أن رسالة جامعية حديثة تصف العلامة الراحل، الشيخ «حسين المرصفي» بأنه «الأب الروحي» لكل من أصبحوا روادا للفكر العربي الحديث، من أدباء ومفكرين، كمحمود سامي البارودي، وأحمد شوقي، والإمام محمد عبده.. الخ، حاولوا تجديد حياتنا الأدبية والفكرية، منذ مطلع القرن العشرين على حد ما ذكره الباحث «إبراهيم المعداوي في رسالته للماجستير حول جهود الشيخ البلاغية والنقدية، والتي أجازتها - مؤخرا - كلية الآداب جامعة المنصورة، شرق القاهرة. مؤلفات مجهولة إذا كان للشيخ المرصفي، ضرير النظر، فإن له بصيرة نافذة، جعلت من إسهاماته وتقويماته العلمية للمأثور العربي القديم، فتحا جسورا، وخصوصا في كتابيه الشهيرين - لدى المختصين - «الوسيلة الأدبية»، و«دليل المسترشدين»، رغم إقتصار الكتاب الأول على طبعة وحيدة، وإستمرار الثاني مخطوطا، والذان يضمهما أرشيف دار الكتب المصرية، وإن كان الإطلاع عليهما ظل عسيرا، بسحب ما يشير إليه المعداوي! وإذا كان هذا هو المصير الذي آل إليه كتابي الشيخ المرصفي، لأكثر من مائة عام فقد ذهبت مؤلفاته الأخرى أدراج الرياح(!) وهي مجمل محاضراته التي أملاها على طلابه. ومع ما قد يثيره ذلك من دهشة وإستنكار،فإن الباحث لم يفصح عن الأسباب التي حملت الجميع، أفرادا ومؤسسات على التعامل مع ذلك المأثور الفريد على هذا النحو رغم ما بلغه الشيخ المرصفي من مكانة علمية رفيعة بين علماء عصره، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والتي أهلته لأن يكون في المقدمة من أنبغ المدرسين بالأزهر الشريف، ليصبح واحدا من من خمسة تم إنتقاؤهم للتدريس لأول دفعة تلتحق بأول معهد عال حديث، هو «دار العلوم» عام 1872. وهي الدفعة التي أنيط ببعضها تربية النشيء وتعليمه بالمدارس الأولية وبالبعض الآخر تولى مسئولية إدارات الدولة الرسمية وهو المعهد (الكلية فيما بعد)، التي مارس الشيخ المرصفي مسئولياته العلمية بها لنحو ثمانية عشر عاما، وحتى رحيلة في العام 1890. والمدهش أن مكانه الرجل، في تلك المرحلة، لم تمنعه أن يكون تلميذا في أحد المدارس شبه الحكومية، والتي كان، أيضا إستاذا بها وهي مدرسة العميان والخرس، حيث إستطاع تعلم الخط العربي والفرنسي، بطريقة (برايل)، التي كانت مستعملة، آنذاك، بتلك المدرسة التي تولى إدارتها أحد تلاميذه السابقين بدار العلوم. ويبدو أن منهج الرجل في إتباع التجديد كان دافعه للإنفتاح على ثقافات ولغات الشعوب الفاعلة في عصره، كاللغة الفرنسية، التي أتقنها الشيخ المرصفي في نحو ثلاثة أشهر، بحسب شهادة معاصروه وهو ما يدلل عليه كتابه المخطوط (دليل المسترشدين في الإنشاء)، الذي يظهر مدى إدراكه الواسع لمنهج وروح اللغة الفرنسية، مقارنة بالعربية، فيقول: «اللغة العربية واللغة الفرنسية إذا قارنت بينهما وجدت اختلافا كثيرا بين أساليبها، بحيث لا تحسن عبارة كل منهما إلا إذا جرت فيما لها من الأساليب، ليس في اللغة الفرنسية صيغة التثنية ولاصيغة جمع بل تذكر عدد إثنين وتعقبه بالإسم أو لفظا يدل على العدد وتعقبه بالإسم كذلك فتقول: إثنان رجل، وعدة رجال، فيها التزام التصريح بحرف الإضافة،وفيها التزام تقديم الحال والتزام تقديم جواب الشرط، ومنها تقديم الصفة على الموصوف تارة بتغيير المعنى وتارة بدونه، وفيها يجري الإسم الموصول صفة للنكرة إلى غير ذلك، مما لو قارنت به اللغة العربية، ونطقت بعباراتها جاءت ركيكة، وكذلك لو فعلت بعبارة اللغة الفرنساوية، ولهذا لا يتكلم باللغة الفرنساوية، وكذلك تقول أنت عند مخالفة الأساليب، وهذه الاحوال قائمة بين اللغات». ولهذا جاء إسهامه العلمي حول الترجمة، القائمة على المضمون، على نحو جديد، فيقول: «هي أن يحصل المترجم المعنى المراد، ويتحقق منه، ويشخصه تمام التشخيص، ثم ينظر في أنه لو عرض هذا المعنى إبتداء لصاحب اللغة الفلانية، كيف يعبر عنه بما يوافق نمط لغته، ويجري على طراز أساليبها، فيعبر عنه بما تقبله الأسماع، وتسرع في تلقيه القلوب»، وهو إجتهاد أدى بلا شك إلى وضع قواعد سليمة للترجمة إلى العربية حتى اليوم. ويضاف إلى ذلك إسهام آخر، خليق بأن تتبعه الأجيال الراهنة والجديدة في بلادنا، والمتصل بكيفية تحصيل اللغات،والذي يقوم على «إستئناف إتقان معرفة لغة الإسلاف التي كتبوها وضبطوها (أي اللغة العربية)، ويسروا طريق تحصيلها،وفي أثناء التحصيل يتعلموا مبادئ اللغات وأوليات قواعدها، وذلك أمر سهل، ليس فيه عسر، فإن عناية القوم بضبط لغاتهم، كعنايتهم بضبط سواها، قد يسرت وسهلت تحصيلها». والمرصفي في هذا إنما كان ينبه، كذلك إلى التصدي للفساد الذي اصاب اللغة العربية في عصره، من جراء تغير حال الدولة، وما أسماه «إستيلاء العجمة على الناس» فدخل في اللغة ما تراه من الفساد بأنواعه، التي هي التصحيف بتدليل الحروف، والتحريف بتدليل في الحركات والسكنات من بين الكلمة، واللحن بتغيير حال الكلم والنطق بالأصول المرفوضة كقولهم «أوعه» مكان «عه» وقولهم «يوعد» ويخلف مكان «يعد ويخلف» وذلك بعد أن صار هذا اللسان «يقال له لغة عامية». لكن المرصفي في هذا لم يكن من أعضاء الجمود، بل وعي منطق التغيير ومراتبه، التي دخلت على اللسان العربي، إلى حد الإستحسان، مثل تغيير العرب العاربة لبعض الألفاظ من اللغات فيختصرونها، ويغيرون أشكالها إلى أن تصير خفيفه عذبة، بجانب ما فعلته قريش بإنتخاب ما حلى في الذوق وخف على السمع من سائر لغات العرب فضلا عن التغير الذي حصل بإختلاط العرب بغير جنسهم، مع البعث الإسلامي. ولهذا لم يقدم الشيخ المرصفي على تجريم دخول الفاظ غير عربية إلى الفصحى، التي قد تكون من «الألفاظ للأشياء التي يتجدد ظهورها والإطلاع عليها » لكنه إشترط ألا تكون «مأخوذة بطريق الإشتقاق من ألفاظهم» أي العجم. ومع هذا فقد وصف ذلك بأنه «أمر عسير يحتاج إلى نظر جم غفير». ورغم حملة المرصفي، كذلك، على فساد العامية، إلا أنه يرى أن المتعلم بإستطاعته فهم الكثير من المسائل البلاغية، إذا تأمل كلام الناس، الذي يشتمل على «كثير من الألفاظ العربية الفصيحة بحسب الحاجة، ومتضمنه كثيرا من محاسن السباقات، ولطائف الكلمات». وبذلك تصبح العامية، لدى الشيخ المرصفي، وسيلة للوعي بكثير من المسائل التي صعبتها علوم البلاغة العربية «وابعدت فهم معناها العبارات الإصطلاحية، والمناظرات فيها، بحيث يقرب أن يخرج غير المعتاد إلى المعتاد». بل ورأى في العامية طريقا لتعليم الناشئة فن الكتابة العربية وذلك بأن يلقي للمتعلم عبارات عامية يبتدئها بالقاء جملة جملة،كأن يلقي عليه: فلان يوعد ويخلف، ثم يطيل في العبارة حتى تكون مشتملة على كثير مما يحتاج في إصلاحه إلى تذكر أبواب كثيرة من الفنون التي إتقن تحصيلها، ثم يطالبه بردها إلى العربية. لكن المرصفي لم يقف عند حد توظيف العامية لحساب الفصحى، بل وأقر مكانتها، داعيا إلى إستخدام العامية ذاتها في الكتابة (!) بحيث «تستحسنها العامة ولا يعيبها الخاصة»، إستناد إلى أن «معتاد الناس ليس واحدا، فهم طوائف بحسب أسنانهم وحرفهم مما يتوجب على الكاتب أن يميز كل معتاد،ويجعل كتابته لأهل ذلك المعتاد وهي دعوة إشترك المرصفي أن يسبق العمل بها» إطالة فكر ولطف نظر وذلك في ظل غياب نحو معروف للغة العامية لكونها «لم تكتب، ولم تدرس، وفي كتابتها عسر عظيم وإحتياج لزمن طويل». لكن مدارستها والحاجة إليها شديدة، فهي متنوعة العبارات،مشتملة على لغات كثيرة، كل لغة تحتاج إلى ترجمة وتفسير على حد تعبير الشيخ المرصفي. وبذلك يكون المرصفي قد إستن لبنات لنظر علمي عميق حول تلك العلاقة الملتبسة،حتى اليوم، بين العامية والفصحى في ثقافتنا العربي الراهنة. نظرية عالمية وربما كان لهذا الافق العلمي الرحب دوره في توصل الشيخ المرصفي إلى بناء أول نظرية عالمية حول فقه اللغة وذلك قبل سنوات طويلة من ظهور المنهج، الذي إستنه العلامة السويسري (فردينانددي سويسر) حول علم اللغة، والذي أصبح وصفيا، يعني بمرحلة ما ثابته، غير متطورة للغة معينة، يعزل هذه المرحلة عن التطور التاريخي، ويصفها من حيث بنيتها وعلاقتها الداخلية التي تحكم تحولاتها الذاتية. ولكن بحسب شهادة الباحثين فإن المرصفي كانت له الأسبقية في بلوغ ذلك المنهج الوصفي، الذي يقوم على دراسته لغة واحدة (كاللغة العربية) في بنيتها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية. وكما يقول الشيخ المرصفي، في معرض تطبيقة لنظريته على اللغة العربية، إنها الفاظ معدودة وضعت عند العرب للأشياء لتحضر بها في العقول عند الإرادة، كانوا ينطقون بها على صورة معينة إفرادا وتركيبا. سيرة مهملة ولهذا هيمنت منزلة الشيخ المرصفي على نفوس طلابه، إلى حد أن روايتهم عنه بلغت حد الأساطير لكن الجميع اتفق على أنه يستم «بالذكاء ودقة الملاحظة ورقة المزاج والحافظة القوية والتفكير العميق، والتبحر في العلم.. الخ». ومع ذلك فإن السيرة العلمية والحياتية لهذا العلامة الكبير أما أهملت أو بخست من جانب المؤرخين لعلماء عصره كتاب التراجم مما دعا صاحب تلك الرسالة للقول إنه «لولا ما كتبه علي مبارك باشا من الأسطر التسعة عن الشيخ (المرصفي) في خططه عرضا في الكلام عن قرية (مرصفا) والتي أصبحت مصدرا يستقى منه كل من يتعرض لترجمته لكان الشيخ نسيا منسيا »! ويبدو أن الصفات التي تحلى بها الشيخ المرصفى من زهد وتفرغ للعلم، منذ نعومة أظافرة كانت وراء ترفعه. على طلب الشهرة، وهو الذي حفظ القرآن في سن مبكرة، بعد أن أصيب بعلة ذهبت ببصره، وهو في الثالثة من عمره، مما حفزة على طلب العلم بالأزهر، الذي كان لا يفارقه أيام وليال، مع قصر غذائه على مرة واحدة يوميا والاكتفاء بصداقته لتلاميذه، رغم عضويته بمجلس نظاره (وزارة) المعارف العمومية. وبالطبع فإن تكوين من هذا الطراز يأبى على نفسه أن يؤرخ لذاته، كي «تفي بحاجات المؤرخ أو تلقي ضوء قويا على حياته»، بحسب عبارة الباحث التي تحمل الشيخ المرصفي مسئولية لا تخصه بل تقع على عاتق من تصدى لعلم التأريخ (التراجم) في عصر الشيخ المرصفي وذلك لاعتماد مؤرخي الأدب في تراجمهم «على النقل من المراجع، دون البحث عن الشخصيات أو لعدم مقدرتهم على تقويم علمه وفضله من كتبه، وهي في الأغلب أكثر التفسيرات واقعية». القاهرة ـ فكري عبد المطلب: