الخميس 13 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 16 يناير 2003 لما كانت اللغة هي الحاملة الناقلة للافكار، فإن فهم العلوم والآداب والفنون وغيرها من جوانب النشاط العقلي مرهون بالفهم الدقيق العميق لمصطلحات كل علم وأدب وفن، ولما كان الفكر الانساني سريع التطور، غزير الانتاج لكي يواكب ايقاع العصر الحديث في سرعة مواصلاته واتصالاته فإننا نحتاج كل يوم الى ابتكار مصطلحات جديدة، قادرة على استيعاب الدلالات الجديدة، ومما يؤسف له ان امتنا العربية امة الفصاحة والبيان اصبحت تستورد هذه المصطلحات حتى في ميدان الادب والنقد، ثم تترجمها او تستعملها بألفاظها وصيغها، كأن تخلفها في ميادين الصناعة والعلوم التطبيقية جرها الى التخلف في اخص ما أثر عنها التقدم فيه، وهو الدراسات اللغوية والادبية والنقدية. والنقد الاسطوري ضرب جديد من النقد الادبي حمله الينا ابناؤنا الذين درسوا الادب المقارن في ديار الغرب، فما أساس هذا الضرب الجديد من النقد؟ وما الانزياح الذي يعد ركنا من اركانه، ولونا من الوانه؟ هذا الضرب من النقد موصول النسب بالدراسات النفسية التي اخترقت بتحليلاتها طبقة الوعي في عقل الانسان، وهبطت منها الى الطبقة غير الواعية، ثم اخترقت «اللاوعي الفردي» لتبلغ طبقة ابعد منها غورا، فوصلت الى «اللاوعي الجمعي» ويعد «كارل غوستاف يونغ» من اسبق الواصلين الى هذه الطبقة، واقدرهم على الافادة منها في التمهيد للنقد الاسطوري. لقد وضعت دراساته النفسية لمرضاه بين يديه اسرار اللاوعي الجمعي الهاجعة في اعماق الذاكرة الشعبية، فأثارها، وقارن ما ينبثق منها في بيئة بما ينبثق منها في بيئة اخرى فلم يجد غير فروق سطحية، وجد مرضاه يفرغون بالتداعي اخيلة واحلاما يبلغ تشابهها حد التطابق، فكأن الذاكرة البشرية تختزن ثقافة بدائية واحدة، تتفجر على نحو راتب، لا تتغير انماطه بتغير الاجناس واللغات. ومما قوى اعتقاده هذا ان الشعوب كلها او جلها تحتجن في كهوفها النفسية البعيدة الاغوار كثيرا من الاساطير، لاتريد ان تنهزم امام التقدم العلمي الذي يطاعنها كل يوم بسلاح أفتك من سابقه، واذا استطاعت الاسلحة الجديدة الفتاكة ان تقهرها في الصحو كمنت، ثم انبعثت من مهاجعها في الاحلام انبعاثا يؤثر في النفس تأثيرا عميقا. ومن يستعرض تاريخ البشر يجد ان ابرز هذه الاساطير تحاول ان تفسر اسرار الكون والحياة والخلق والموت والبعث، وان بينها قدرا عظيما من التناظر، فمن الاساطير البابلية ان «مردك» خلق السماء والارض من الآلهة «تيامات» بعد ان قتلها، وشقها شقين، ثم عجن الانسان من الدم والطين، فتكاثر البشر. ومن اساطير الصين ان «بان كو» قبل ميلاد المسيح بأكثر من مليوني سنة كدح كدحا مضنيا، وهو يخلق العالم، فتصبب جبينه عرقا، وسال دمه بحارا، وصار صوته رعدا، ولحمه ارضا، والحشرات المتعلقة به بشراً. ومن اساطير اليابان ان «ايزاناجي» واخته «ايزانامي» ـ وهما من سلالة الآلهة ـ وقفا على جسر السماء، ثم غمسا في المحيط رمحا ورفعاه، فتقطرت منه «4223» قطرة، فأصبحت تلك القطرات جزر اليابان، وانهما تزوجا كالضفادع، ونسلا الشعب الياباني. واذا كان لخلق الكون والبشر اساطير متقاربة، فللحكمة والمعرفة اساطيرهما المتقاربة كذلك. ومن اساطير الحكمة في تراث الفرس ان عذراء حملت حملا مقدسا، وولدت غلاما ضحك ساعة ولادته، وقهقه قهقهة قوية طردت الشياطين، واسم هذا الغلام «زردشت» وطبعه الذي جبل عليه الحكمة، ثم تجلى لهذا الغلام إله النور «أهورمزدا» فأوحى اليه كتاب العلم، ثم عمر هذا الغلام امدا طويلا حتى احرقه ومض من البرق. ومن اساطير اليونان أن «زيوس» قيد «بروميثيوس» لانه سرق سرّ النار « اي المعرفة» وعلم الناس كيف يستخدمون هذا السر، وان زيوس انتقم من السارق انتقاما مروعا، اذ ارسل اليه نسرا أكل قلبه، لكن القلب المغرم بالمعرفة، والعامر بحب الانسان، الحريص على تقدمه نما من جديد، وفي نهاية المطاف فك «هرقل» الجبار قيود بروميثيوس وصالحه مع زيوس. والنقد الاسطوري ـ على اقراره بأن الاساطير ترهات واباطيل ـ يرى انها تعبر عن الاساليب التي واجه بها الانسان الطبيعة، ليفسر الظواهر التي اعياه فهمها، ومنها الخلق والموت والمعرفة، وانها تشكل انماطا تتكرر بصور متعددة، تختلف مظاهرها، وتتفق جواهرها، فأنت تستطيع ان تظفر بشكل واقعي حديث اوفى على الغاية في الواقعية والحداثة لأسطورة زيوس وبروميثيوس، يلخص صراع البشر حول احتكار المعرفة، ويحتدم هذا الصراع في القرن الواحد والعشرين كما كان يحتدم في القرون الخوالي، وبين دول الارض لا بين آلهة السماء، فالدول الصناعية الكبرى تتقمص شخصية زيوس حينما تدعي انها صاحبة الحق المطلق في امتلاك المعرفة، وتحرم على كل بروميثيوس ينتمي الى الدول المتخلفة ان يمتلك اسرار النار، فالويل كل الويل لمن تحدثه نفسه بصنع صاروخ، او تفجير ذرة، او امتلاك سلاح مدمر، ومن تجرأ على ان يجترح شيئا من هذه المحرمات فهو عربيد احمق، او طامح مجنون، او مغامر متهور.. وبتعبير ادق هو «بروميثيوس» الجديد الذي يجب ان يصلب وان ترسل عليه جوارح الطير لتأكل قلبه، وتريحه من جموح الطموح، وتريح كل «زيوسات» الدنيا من طبعه الارعن، وبرغم هذا التشابه يبقى بين الحالتين فرق، يفسره الانزياح، فما هذا الفرق؟ وكيف يفسر؟ الفرق بين الحالتين أن بروميثيوس القديم كان أسعد حظاً من الدول المستضعفة الحديثة، وان هرقل الجبار ـ على قسوته ـ كان ينطوي على قدر من الرفق بالضحية حمله على إنقاذها، فأصلح بين الفريسة والمفترس. أما زيوس المعاصر فألد عداوة، وأشد ضراوة، همه الأول الافتراس، وهمه الثاني انتزاع المعرفة من عقول الناس. فإذا انزاحت الحالة العصرية عن الاسطورة اليونانية، فقد تكون اقرب الى اسطورة الفرس، فالدول العصرية مصممة على احراق الخصم كما احرقت اسطورة الفرس زردشت بصاعقة من البرق. في هذه المقارنة اشارة الى شكل من اشكال الانزياح، لكنها اشارة غير كافية. فالانزياح في المصطلح النقدي الحديث يقتضي توضيحه تعريفاً ادق من هذه المقارنة، وتفسيرا أعمق من هذا التفسير، لا يشوبه التكلف الذي لم يبرأ منه محك النقد، وهو يقارن اسطورة يونانية بأسطورة فارسية، ثم يقارنهما معاً بوضع واقعي عصري. الانزياح في النقد الاسطوري الحديث يتضمن دلالة محددة، وهي ما يصيب الاسطورة الأم من تحوير وتغيير وتطوير عبر العصور، ولاسيما حينما يحبذ الشاعر أو الأديب اسطورة من الاساطير ليعبر بها عن موقف جديد، أو فكرة جديدة. اذ من غير المعقول ان تتغير الحضارة بعلومها وآدابها وفنونها وعمرانها ومخترعاتها، وتبقى الاسطورة القديمة قادرة بشكل القديم على استيعاب الاوضاع الحديثة. الانزياح على هذا الأساس ليس تجديداً متعمداً للاسطورة، وإنما هو استجابة لظروف جديدة، تدفع الشاعر الى عرض الموروث بثوب جديد، لكي يتمكن من اسقاط ما فيها من افكار ومشاعر على زمانه، ولو بقي العالم الحديث محافظاً على سمات العالم القديم في حضارته ومفاهيمه لما احتاج الاديب الى تغيير شيء مما عرف وألف، ولبقيت الاسطورة في منجاة من الانزياح عن تركيبها الأول. غير أن التطور حتمي، وحتميته تضطر الاديب العصري الى استيعاب ما يجري حوله من تبدل يطرأ على وسائل الانتاج، واساليب الزراعة والصناعة، وتضطره كذلك الى التفاعل مع العلاقات الجديدة بين الدول عامة، والعلاقات الاجتماعية والطبقية داخل المجتمع الواحد. إن الاديب مرغم كذلك على التأثر بالاوضاع والاحداث السياسية المتقلبة، كظهور الانظمة الاشتراكية ثم انهيارها ونشوب الثورات التقدمية واخفاقها، وتسعر الحروب الباردة وانطفائها، وبروز نظام عالمي جديد، وحيد القطب في مطلع هذا القرن، يرمي الى فرض هيمنته على العالم. ولك ان تقول على سبيل المثال: اذا احب شاعر ان يستخدم اسطورة سيزيف الذي كان يرفع على كتفه صخرة الى اعلى جبل، وقبل ان يبلغ بها القمة تسقط عن كتفه فانه لايستطيع اليوم ان يقول كما قال السياب بالامس: وعند بابي يصرخ المخبرون: وعر هو المرقى الى الجلجله والصخر ياسيزيف ما أثقله!! سيزيف ان الصخرة الآخرون فالاوضاع السياسية تغيرت، وتغيرها ينبغي ان يتحول الى انزياح، لكي تلائم الاسطورة الحالة الجديدة. فالحلم الذي كان السياب يسعى اليه تحول الى واقع، لكن وقوعه صنع صخوراً أخرى وحمل الشاعر تبعات اثقل مما كان يحتمل. فالنظام العالمي اصبح اقوى واشرس، واقدر على ان يتعقب كل سيزيف يحاول ان ينهض بمجتمعه. ولذلك اصبح الشاعر مضطراً الى زحزحة الاسطورة، فإن لم يفعل عجزت اسطورته عن الوفاء بما يتطلبه منها انزياح العصر. والخلاصة أن الأسطورة إذا كانت ثوباً قُد على قد الوضع القديم فإن الانزياح خياط يستطيع أن يعيد تصميم هذا الثوب لكي يناسب قدود الاوضاع الجديدة المتغيرة بقلم: د. غازي مختار طليمات